تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مكاتيب الأئمة ( ع ) — صفحة 190

مساهمون:

ص١٩٠
قال : وعاجل المأمون الخروج إلى بلخ « 1 » وتخلّف عنه أبو الحسن عليه السلام ، فكتب المأمون إليه كتاباً يتنجّز ما كان ذكره له ممّا يحتاج إلى معرفته على ما سمعه وجرّبه من الأطعمة والأشربة وأخذ الأدوية والفصد والحجامة « 2 » والسّواك والحمّام والنّورة والتّدبير في ذلك . فكتب إليه أبو الحسن عليه السلام كتاباً هذه نسخته : بِسمِ اللَّهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ اعتَصَمتُ بِاللَّهِ . أَمَّا بَعدُ : فَإِنَّه وَصَلَ كِتابُ أَميرِ المُؤمِنينَ فيما أَمَرني بِهِ مِن تَوقيفِهِ عَلى ما يَحتاجُ إِليهِ ، مِمَّا جَرَّبتُهُ وَسَمِعتُهُ في الأَطعِمَةِ ، وَالأَشرِبَةِ ، وَأَخذِ الأَدويَةِ ، وَالفَصدِ ، وَالحِجامَةِ ، وَالحَمَّامِ ، وَالنُّورَةِ ، وَالباهِ ، وَغَيرِ ذلِكَ مِمَّا يُدَبِّرُ استِقامَةَ أَمرِ الجَسَدِ بِهِ . وَقَد فَسَّرتُ ( لِأَميرِ المُؤمِنينَ ) « 3 » ما يَحتاجُ إِليهِ ، وَشَرَحتُ لَهُ ما يَعمَلُ عَلَيهِ مِن تَدبيرِ مَطعَمِهِ ، وَمَشرَبِهِ ، وَأَخذِهِ الدَّواءِ ، وَفَصدِهِ ، وَحِجامَتِهِ ، وَباهِهِ ، وَغَيرِ ذلِكَ مِمَّا يَحتاجُ إِليهِ في سياسَةِ جِسمِهِ ، وَبِاللَّهِ التَّوفيقُ . [

إنّ اللَّه لم يُنزل داءً إلّا أنزل له دواءً ]

اعلَم يا أَميرَ المُؤمِنينَ « 4 » : إِنَّ اللَّهَ عز وجل لَم يَبتَلِ البَدنَ بِداءٍ حَتّى جَعَلَ لَهُ دَواءً يُعالَجُ بِهِ ، وَلِكُلِّ صِنفٍ مِنَ الدَّاءِ صِنفٌ مِنَ الدَّواءِ وَتَدبيرٌ وَنَعتٌ . [

وظائف الأعضاء ومثالها مثال المُلك ]

وذلِكَ أَنَّ هذِهِ الأَجسامِ أُسِّسَت عَلى مِثالِ المُلكِ « 5 » . فَمَلِكُ الجَسَدِ هوَ
هامش
( 1 ) . بلخ : مدينة مشهورة بخراسان ، من أجلّ ولاياتها وأشهرها ذكراً وأكثرها خيراً ( مراصد الاطلاع : ج 1 ص 217 ) . ( 2 ) . الفرق بين الفصد والحجامة : الفصد : هو استفراغ كلّي يستفرغ الكثرة ، والكثرة هي تزايد الأخلاط على تساويها في العروق . والحجامة : كالفصد وهو شقّ العرق وإخراج الدّم منه ، لكنّها تختلف عن الفصد بأنّها تؤخذ من صغار العروق ( راجع : القانون لابن سينا : ج 1 ص 204 و 212 ) . ( 3 ) . في بحار الأنوار : « له » بدل « لأمير المؤمنين » . ( 4 ) . ليس في بحار الأنوار : « يا أمير المؤمنين » . ( 5 ) . قوله عليه السلام : « على مثال المُلك » - بالضّم - أي : المملكة الّتي يتصرّف فيها المَلِك ، فمَلِك الجسد - بفتح الميم وكسر اللّام - أي : سلطانه ، وهو القلب . كذا في أكثر النّسخ ، وربّما يتوهّم التّنافي بينه وبين ما سيأتي من أنّ بيت الملك قلبه . ويمكن رفع التّنافي بأنّ للقلب معاني : أحدها : اللّحم الصّنوبري المعلّق في الجوف . الثّاني : الرّوح الحيواني الّذي ينبعث من القلب ويسري في جميع البدن . الثّالث : النّفس النّاطقة الإنسانيّة الّتي زعمت الحكماء وبعض المتكلّمين أنّها مجرّدة متعلّقة بالبدن ، إذ زعموا أن تعلّقها أوّلًا بالبخار اللّطيف المنبعث من القلب المسمّى بالروح الحيواني ، وبتوسّطه تتعلّق بسائر الجسد ، فإطلاقه على الثّاني لكون القلب منشأه ومحلّه ، وعلى الثّالث لكون تعلّقها أوّلًا بما في القلب . فيحتمل أن يكون مراده عليه السلام بالقلب ثانياً المعنى الأوّل ، وبه أوّلًا أحد المعنيين الآخرين . وفي بعض النّسخ « هو ما في القلب » فلا يحتاج إلى تكلّف . لكن يحتمل المعنى الثّاني على الظّرفيّة الحقيقية ، والثّالث على الظّرفيّة المجازيّة ، بناءً على القول بتجرّد الرّوح . وعلى التّقديرين كونه مَلِك البدن ظاهر ، إذ كما أنّ المَلِك يكون سبباً لنظام أُمور الرّعيّة ومنه يصل الأرزاق إليهم ، فمنه يصل الرّوح الّذي به الحياة إلى سائر البدن . وعلى رأي أكثر الحكماء إذا وصل الرّوح الحيوانيّ إلى الدّماغ صار روحاً نفسانيّا يسري بتوسّط الأعصاب إلى سائر البدن ، فمنه يحصل الحسّ والحركة فيها ، وإذا نفذ إلى الكبد صار روحاً طبيعيّا فيسري بتوسّط العروق النّابتة من الكبد إلى جميع الأعضاء ، وبه يحصل التّغذية والتّنمية . وكما أنّ السّلطان قد يأخذ من الرّعايا ما يقوم به أمره ، كذلك يسري من الدّماغ والكبد إليه القوّة النّفسانيّة والقوّة الطّبيعيّة .
مكاتيب الأئمة ( ع ) — صفحة 190 | علي الأحمدي الميانجي