يا ابنَ جُندَب ، قالَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ في بَعضِ ما أوحى : إنَّما أقبَلُ الصَّلاةَ مِمَّن يَتَواضَعُ لِعَظَمتي ، وَيَكُفُّ نَفسَهُ عَنِ الشَّهواتِ مِن أجلي ، وَيَقطَعُ نَهارَهُ بِذكري ، وَلا يَتَعَظّمُ على خَلقي ، وَيُطعِمُ الجائِعَ ، وَيَكسو العارِيَ ، وَيَرحَمُ المُصابَ ، وَيُؤوي الغَريبَ ، فَذلِكَ يُشرِقُ نورُهُ مِثلَ الشَّمسِ ، أجعَلُ لَهُ في الظُّلمَةِ نوراً ، وَفي الجَهالَةِ حِلماً ، أكلؤهُ « 1 » بِعِزّتي ، وَأستَحفِظُهُ مَلائِكَتي ، يَدعوني فَأُلبِّيَهُ وَيَسألنُي فَاعطِيَهُ ، فَمِثلُ ذلِكَ العَبدِ عِندي كَمَثَلِ جَنّاتِ الفِردَوسِ لا يُسبَقُ أثمارُها ، وَلا تَتَغَيَّرُ عَن حالِها .
يا ابنَ جُندَب ، الإسلامُ عُريانٌ فَلِباسُهُ الحَياءُ ، وَزينَتُهُ الوَقارُ ، وَمُروءَ تُهُ العَمَلُ الصّالِحُ ، وَعِمادُهُ الوَرَعُ ، وَلِكُلِّ شَيءٍ أساسٌ ، وَأساسُ الإسلامِ حُبُّنا أهلَ البَيتِ .
يا ابنَ جُندَب ، إنَّ للَّهِ تَبارَكَ وَتَعالى سوراً مِن نورٍ ، مَحفوفاً بِالزَّبَرجَدِ وَالحَريرِ ، مُنَجَّداً بِالسُّندُسِ وَالدّيباجِ ، يُضرب هذا السّورُ بَينَ أوليائِنا وَبَينَ أعدائِنا ، فَإذا غَلى الدِّماغُ ، وَبَلغَتِ القُلوبُ الحَناجِرَ وَنَضِجَتِ الأكبادُ مِن طولِ المَوقِفِ ادخِلَ في هذا السّورِ أولياءُ اللَّهِ ، فَكانوا في أمنِ اللَّهِ وَحِرزِهِ ، لَهُم فيها ما تَشتَهي الأنفُسُ وَتَلَذُّ الأعيُنُ .
وَأعداءُ اللَّهِ قَد ألجَمَهُم العَرَقُ وَقَطَعَهُمُ الفَرَقُ وَهُم يَنظُرونَ إلى ما أعَدَّ اللَّهُ لَهُم ، فَيَقولونَ : « مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُم مّنَ الْأَشْرَارِ » « 2 » فَيَنظُرُ إلَيهِم أولياءُ اللَّهِ فَيَضحَكونَ مِنهُم ، فذلِكَ قَولُهُ عز وجل : « أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيّاً أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ » « 3 » ، وَقَولُهُ : « فَالْيَوْمَ الَّذِينَ ءَامَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ * عَلَى الْأَرَآئِكِ يَنظُرُونَ » « 4 » ، فَلا يَبقى أحَدٌ مِمَّن أعانَ مُؤمِناً مِن أوليائِنا بِكَلِمَةٍ إلّاأدخَلَهُ اللَّهُ الجَنَّةَ بِغَيرِ حِسابٍ . « 5 »
هامش
( 1 ) . كلأ اللَّه فلاناً : أي حفظه وحرسه .
( 2 ) . ص : 62 .
( 3 ) . ص : 63 .
( 4 ) . المطففين : 34 و 35 .
( 5 ) . تحف العقول : ص 301 .