قال ابن عبد ربّه في العِقد الفريد ، وكتب إلى ابنه محمَّد ابن الحنفيَّة ، ثُمَّ نقل فصلًا قد يشابه في بعض الجملات ما ذكره المصنّف رحمه الله عن الفقيه ، ونحن ننقله هنا تتميماً للفائدة ، وإكثاراً للعائدة :
كتب إلى ابنه محمَّد ابن الحنفيَّة :
« أن تَفَقَّه في الدِّينِ ، وعَوِّد نفسَكَ الصَّبرَ علَى المكروهِ ، وكِلْ نفسَكَ في أمورِكَ كُلِّها إلى اللَّهِ عز وجل ، فإنَّك تَكِلُها إلى كَهْفٍ . وأخْلِصْ المسألَةَ لِرَبِّك ، فإنَّ بِيَدِهِ العَطاءَ والحِرمانَ ، وأكثِرِ الاستخارَةَ لَهُ ، واعلَمْ أنَّ مَن كانَت مَطِيَّته اللَّيلَ والنَّهارَ فإنَّه يُسار بهِ وإنْ كانَ لا يَسِيرُ ، فَإنَّ اللَّهَ تعالى قَد أبى إلّاخَرابَ الدُّنيا وعِمارَةَ الآخِرَةِ .
فإن قَدَرتَ أن تَزْهَدَ فِيها زُهْدَك كُلَّهُ فافعَلْ ذلِكَ ، وإن كُنتَ غَيرَ قابِلٍ نَصِيحَتِي إيَّاكَ ، فاعلَم عِلْماً يقيناً أنَّك لن تَبْلُغ أملَكَ ، ولا تَعْدو أجلَكَ ، وأنَّك في سَبِيلِ مَن كانَ قَبْلَكَ ، فَأَكرِمْ نفسَكَ عَن كُلِّ دَنِيَّةٍ ، وإن ساقَتكَ إلى الرَّغائِبِ ، فَإنَّكَ لن تَعتاضَ بِما تَبْذُلُ مِن نَفسِكَ عِوَضاً ، وإيَّاكَ أن تُوجِفَ بِكَ مَطايا للطَّمعِ ، وتَقولُ : متى ما أُخِّرت نَزَعتُ ، فإنَّ هذا أهْلَكَ مَن هَلكَ قَبْلَكَ .
وأمسِكْ عَليكَ لِسانَكَ ، فإنَّ تَلافِيك ما فَرَطَ مِن صَمْتِكَ أيْسرُ علَيكَ مِن إدراكِ ما فاتَ مِن مَنْطِقِكَ ، واحفَظْ ما في الوِعاءِ بشَدِّ الوِكاءِ ، فحُسْنُ التَّدبِيرِ مَعَ الاقتصادِ أبْقى لَكَ مِنَ الكَثيرِ مَعَ الفَسادِ ، والحُرْفَةِ « 1 » مع العِفَّةِ خيرٌ مِنَ الغِنى مَعَ الفُجُورِ ، والمَرْءُ أحفظُ لِسِرّهِ ، ولَرُبَّما سَعَى فيما يَضُرُّهُ .
وإيَّاكَ والاتّكالَ علَى الأمانِي ، فإنَّها بضائِعُ النَّوكَى « 2 » ، وتُثَبِّطُ عَنِ الآخِرَةِ
هامش
( 1 ) الحُرْفة : الضيق والإقلال .
( 2 ) النوكى - بالفتح كسكرى - : جمع أنوك ، أي الأحمق .