[ وعلى كل حال ، لقد ابتلي أمير المؤمنين عليه السلام بأُمور :
منها أنَّه ابتلي بأعداء لا يعتنقون مبدءا ، ولا يعتقدون أمراً من مبدأ ومعاد ، ولا يلتزمون بقانون أخلاقي ، ولا يتركون ظلماً ، ولا جوراً ، ولا جناية قليلًا ولا كثيراً يقدرون عليه كعَمْرو بن العاص ، ومروان ، وبُسْر بن أرطاة ، وزياد . . . ] .
قال أبو جَعْفَر الإسكافي مُحَمَّد بن عبد اللَّه المعتزلي : فلم يؤت عليّ رضي الله عنه في أموره لسوء تدبير كان منه ، أو لغلط في رأي ، غير أنَّه كان يؤثر الصَّواب عند اللَّه في مخالفة الرَّأي ، ولا يؤثر الرَّأي في مخالفة رضا ربّه .
وقد كانت له خاصَّة من أهل البصائر واليقين من المهاجرين والأنصار ، مثل ابن عبَّاس ، وعَمَّار ، والمقداد ، وأبي أيّوب الأنْصاريّ ، وخُزَيْمَة بن ثابت ، وأبي الهَيْثم بن التّيهان ، وقَيْس بن سَعْد بن عُبادَة الأنْصاريّ ، ومَن أشبه هؤلاء من أهل البصيرة والمعرفة ، فأفنتهم الحروب واخترمهم الموت .
وحصل معه من العامَّة قوم لم يتمكَّن العلم من قلوبهم ، تبعوه مع ضعف البصيرة واليقين ، ليس لهم صبر المهاجرين ، ولا يقين الأنصار ، فطالت بهم تلك الحروب ، واتصلت بعضها ببعض ، وفني أهل البصيرة واليقين ، وبقي من أهل الضَّعف في النِّيَّة ، وقصر المعرفة من قد سئموا الحرب ، وضجروا من القتل ، فدخلهم الفشل ، وطلبوا الرَّاحة ، وتعلَّقوا بالأعاليل ، فعندها قام فيهم خطيباً ، فقال :
( أيُّها النَّاسُ المُجتَمِعةُ أبدانُهم ، المُختلِفَةُ أهواؤُهُم ، كَلامُكُم يُوهِي الصُمَّ الصِّلابَ ، وفِعلُكُم يُطمِعُ فِيكُم الأَعداءَ ، تقولونَ في المجالِسِ كَيْت وكَيْت ، فإذا جاء القِتالُ قُلتُم : حيدي حَيادِ . . .
) . « 1 »
[ أقول : لمَّا انتهت حرب صفِّين إلى تحكيم الحَكَمَين ، ومتاركة الحرب ، وكتب
هامش
( 1 ) . المعيار والموازنة : ص 98 .