لَهُ بالشّبَعِ ، أوْ أبيتَ مِبْطاناً ، وحَوْلي بُطُونٌ غَرْثى وأكْبَادٌ حَرّى ، أوْ أكونَ كَما قالَ القائِلُ :
وحَسْبُكَ داءً أنْ تَبِيتَ بِبِطْنَةٍ * وحَوْلَكَ أكبَادٌ تَحِنُّ إلى القِدِّ
أأقْنَعُ مِن نَفسِي بأنْ يقالَ هذا أميرُالمُؤمِنينَ ، ولا أُشْارِكُهم في مكارِه الدَّهرِ ، أوْ أكونُ أُسْوَةً لَهُم في جُشُوبَةِ العَيْشِ فمَا خُلِقْتُ لِيَشْغَلَنِي أكْلُ الطَّيِّباتِ كالْبَهِيمَةِ المَرْبُوطَةِ هَمُّها عَلَفُها ، أو المُرْسَلَةِ شُغْلُها تَقَمّمُها ، تَكْتَرِشُ من أعْلَافها ، وتَلْهو عمَّا يُرادُ بِها ، أوْ أُتْرَكَ سُدىً وأُهْمَلَ عابِثاً ، أوْ أجُرَّ حَبْلَ الضَّلالَةِ ، أوْ أعْتَسِفَ طَرِيقَ المَتاهَةِ .
وكأنِّي بقائِلِكُم يقولُ : إذا كان هذا قُوتُ ابن أبي طالِبٍ ، فَقَدْ قَعَدَ بِهِ الضَّعْفُ عن قِتالِ الأقْرانِ ، ومُنازَلَةِ الشّجْعَانِ .
ألا وإنَّ الشَّجَرَةَ البَرِّيَةَ أصْلَبُ عُوْدَاً ، والرَّواتِعَ الخَضِرَةَ أرَقُّ جُلُوداً ، والنَّابتاتِ العَذيَّةَ أقْوى وُقُوداً وأبْطَأُ خُمُوداً ، وأنَا من رسُولِ اللَّهِ كالصِّنْوِ مِنَ الصِّنْوِ ، والذِّرَاعِ من العَضُدِ .
واللَّهِ ، لو تظاهَرَتِ العَرَبُ على قِتالي لَما وَلَّيْتُ عنها ، ولوْ أمْكَنَتِ الفُرَصُ مِن رِقابِها لَسارَعْتُ إليْها ، وسَأجْهَدُ في أنْ أُطَهِّر الأرضَ مِن هذا الشَّخصِ المَعْكُوسِ ، والجِسْمِ المَرْكُوسِ ، حَتَّى تخْرُجَ المَدَرَةُ من بيْنِ حَبِّ الحَصِيدِ .
إليْكِ عَنِّي يا دُنْيا ، فَحَبْلُكِ علَى غارِبِكِ قَدْ انْسَلَلْتُ مِن مَخالِبِكِ ، وأفْلَتُّ من حَبائِلِكِ ، واجْتَنَبْتُ الذَّهابَ في مَدَاحِضِكِ ، أيْنَ القوْمُ الَّذينَ غَرَرْتِهِم بمَداعِبِك ، أيْنَ الأمَمُ الَّذينَ فَتَنْتِهِم بِزَخارِفِكِ ؟ ! فهاهُم رَهائِنُ القُبُورِ ، ومَضامِينُ اللُّحُودِ .