فقالوا له : قد بلغه أنّك تجلس كلّ عشية على باب دارك ! وقد استبطأك ، والإبطاء والجفاء لا يحتمله السلطان ، أقسمنا عليك لما ركبتَ معنا !
فدعى بثيابه فلبسها ، ثمّ دعى ببغلة فركبها ، حتّى إذا دنى من القصر كأنّ نفسه أحسّت ببعض الذي كان ، فقال لحسّان بن أسماء بن خارجة : يا ابن الأخ ، إنّي واللّه لهذا الرجل لخايف ! فما ترى ؟
فقال : يا عمّ ، واللّه ما أتخوّف عليك شيئاً ، ولم تجعل على نفسك سبيلًا .
ولم يكن حسّان يعلمُ في أيّ شيء بعث إليه عبيداللّه .
فجاء هانيء حتى دخل على عبيداللّه بن زياد وعنده القوم ، فلمّا طلع قال عبيداللّه : أتتك بخاين رجلاه ! « 1 »
فلمّا دنى من ابن زياد ، وعنده شريح القاضي ، « 2 » التفت نحوه فقال :
أُريدُ حياته ويُريد قتلي * عذيرك من خليلك من مُراد
وقد كان أوّل ما قدم مكرماً له ملطفاً . . .
فقال له هاني : وما ذاك أيّها الأمير ! ؟
قال : إيه يا هاني بن عروة ، ما هذه الأمور التي تربّص في دارك لأمير المؤمنين وعامّة المسلمين ؟ جئت بمسلم بن عقيل فأدخلته دارك وجمعت له السلاح والرجال في الدور حولك ، وظننت أنَّ ذلك يخفى عليَّ ! ؟
قال : ما فعلتُ ذلك ، وما مسلم عندي .
هامش
( 1 ) هذا مثل معروف ، وقد ضبطه المحقّق السماوي هكذا : « أتتك بحائن رجلاه تسعى » : والحائن : الميّت ، مِنَ الحَيْن بفتح الحاء وهو الموت . ( إبصار العين : 143 ) .
( 2 ) مرّت بنا ترجمة مفصلة وافية لشريح القاضي في الجزء الثاني ، ص 183 - 185 .