فإن نزل القضاء بما نحبّ فالحمد للّه على نعمائه وهو المستعان على أداء الشكر ، وإنْ حال القضاء دون الرجاء فلم يبعد من كان الحقّ نيّته .
فقال الفرزدق : يا ابن بنت رسول اللّه ! كيف تركن إلى أهل الكوفة وهم قد قتلوا ابن عمّك مسلم بن عقيل وشيعته ! ؟
قال : فاستعبر الحسين بالبكاء ، ثم قال :
رحم اللّه مسلماً ! فلقد صار إلى رَوْح اللّه وريحانه وجنّته ورضوانه ، أما إنه قد قضى ما عليه وبقي ما علينا .
قال : ثمّ أنشأ الحسين يقول :
فإنْ تكن الدنيا تُعدُّ نفيسة * فدار ثواب اللّه أعلى وأنبلُ
وإنْ تكن الأبدان للموت أُنشئت * فقتل امرىءٍ بالسيف في اللّه أفضلُ
وإنْ تكن الأرزاق قِسماً مقدّراً * فقلّة حرص المرء في الكسب أجملُ
وإنْ تكن الأموال للترك جمعها * فما بال متروك به المرء يبخلُ
قال : ثمّ ودّعه الفرزدق في نفر من أصحابه ، ومضى يريد مكّة ، فأقبل عليه ابن عمّ له من بني مجاشع فقال : أبا فراس ، هذا الحسين بن عليّ !
فقال الفرزدق : هذا الحسين بن فاطمة الزهراء بنت محمد صلى الله عليه وآله ، هذا واللّه ( خيرة اللّه ) ابن خيرة اللّه ، وأفضل من مشى على وجه الأرض بعد محمد ( من خلق اللّه ) ، وقد كُنت قلتُ فيه أبياتاً قبل اليوم ، فلا عليك أن تسمعها .
فقال له ابن عمّه : ما أكره ذلك يا أبا فراس ! فإنْ رأيت أن تنشدني ما قلتَ فيه !
فقال الفرزدق : نعم ، أنا القائل فيه وفي أبيه وأخيه وجدّه صلوات اللّه عليهم هذه الأبيات :
هذا الذي تعرف البطحاء وطأته * والبيت يعرفه والحِلُّ والحرمُ