كتابه :
« مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ »
.
وقال جلّ ذكره :
يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ
. وقال :
الْيَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ
. فهذه آيات محكمات تنفي الجبر ومن دان به . ومثلها في القرآن كثير ، اختصرنا ذلك لئلّا يطول الكتاب وباللّه التّوفيق .
وأمّا التّفويض الّذي أبطله الصّادق عليه السّلام وأخطأ من دان به وتقلّده فهو قول القائل : إنّ اللّه جلّ ذكره فوّض إلى العباد اختيار أمره ونهيه وأهملهم . وفي هذا كلام دقيق لمن يذهب إلى تحريره ودقّته . وإلى هذا ذهبت الأئمّة المهتدية من عترة الرّسول صلى اللّه عليه وآله ، فانّهم قالوا : لو فوّض إليهم على جهة الإهمال لكان لازما له رضا ما اختاروه واستوجبوا منه الثّواب ولم يكن عليهم فيما جنوه العقاب إذا كان الإهمال واقعا . وتنصرف هذه المقالة على معنيين :
إمّا أن يكون العباد تظاهروا عليه فألزموه قبول اختيارهم بآرائهم ضرورة كره ذلك أم أحبّ فقد لزمه الوهن ، أو يكون جلّ وعزّ عجز عن تعبّدهم بالأمر والنّهي على إرادته كرهوا أو أحبّوا ففوّض أمره ونهيه إليهم وأجراهما على محبّتهم ، إذ عجز عن تعبّدهم بإرادته فجعل الاختيار إليهم في الكفر والإيمان ومثل ذلك مثل رجل ملك عبدا ابتاعه ليخدمه ويعرف له فضل ولايته ويقف عند أمره ونهيه ، وادّعى مالك العبد أنّه قاهر عزيز حكيم .
فأمر عبده ونهاه ووعده على اتّباع أمره عظيم الثّواب وأوعده على معصيته أليم العقاب ، فخالف العبد إرادة مالكه ولم يقف عند أمره ونهيه ، فأيّ أمر أمره أو أيّ نهي نهاه عنه لم يأته على إرادة المولى بل كان العبد يتّبع إرادة نفسه واتّباع هواه ولا يطيق المولى أن يردّه إلى اتّباع أمره ونهيه والوقوف على إرادته .
ففوّض اختيار أمره ونهيه إليه ورضي منه بكلّ ما فعله على إرادة العبد لا على إرادة