بسم اللّه الرّحمن الرّحيم الحمد للَّه القويّ الغالب ، الوليّ الطالب ، الباعث الوارث ، المانح السّالب ، عالم الكائن والبائن ، والزّائل والذّاهب ، يسبّحه الافل والمائل ، والطالع والغارب ، ويوحّده الناطق والصامت ، والجامد والذائب ، يضرب بعدله السّاكن ، ويسكن بفضله الضارب
لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ
[ الصّافات : الآية 35 ] حكيم أظهر بديع حكمه والعجائب ، في ترتيب تركيب هذه القوالب ، خلق مخّا وعظما وعضدا وعروقا ولحما وجلدا ، وشعرا بنظم مؤتلف متراكب ، من ماء دافق يخرج من بين الصّلب والتّرائب
لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ
[ الصّافات : الآية 35 ] كريم بسط لخلقه بساط كرمه والمواهب ، ينزل في كلّ ليلة إلى سماء الدّنيا وينادي : هل من مستغفر ؟ هل من تائب ؟ هل من طالب حاجة فأنيله المطالب ؟ فلو رأيت الخدّام قياما على الأقدام ، وقد جادوا بالدّموع السّواكب ، والقوم بين نادم وتائب ، وخائف لنفسه يعاتب ، وآبق من الذّنوب إليه هارب ، فلا يزالون في الاستغفار حتى يكفّ كفّ النهار ذيول الغياهب ، فيعودون وقد فازوا بالمطلوب ، وأدركوا رضى المحبوب ، ولم يعد أحد من القوم وهو خائب ،
لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ
[ الصّافات : الآية 35 ] فسبحانه تعالى من أوجد نور نبيّه محمّد صلى اللّه عليه وسلم من نوره قبل أن يخلق آدم من الطّين اللّازب ، وعرض فخره على الأشياء ، وقال : هذا سيّد الأنبياء ، وأجلّ الأصفياء ، وأكرم الحبائب .
اللّهمّ صلّ وسلّم وبارك عليه
قيل : هو آدم ؟ قال : آدم به أنيله أعلى المراتب ، قيل : هو نوح ؟ قال : نوح به ينجو من الغرق ويهلك من خالفه من الأهل والأقارب ، قيل : هو إبراهيم ؟ قال : إبراهيم به تقوم حجّته على عبّاد الأصنام والكواكب ، قيل : هو موسى ؟ قال : موسى أخوه ، ولكن :
هذا حبيب ، وموسى كليم ومخاطب ، قيل : هو عيسى ؟ قال : عيسى يبشّر به وهو بين يدي نبوّته كالحاجب ، قيل : فمن هذا الحبيب الكريم الذي ألبسته حلّة الوقار ، وتوّجته بتيجان المهابة والافتخار ، ونشرت على رأسه العصائب ، قال : هو نبيّ استخرته من لؤيّ بن غالب ، يموت أبوه وأمّه ، ثم يكفله جدّه ، ثم عمّه الشّقيق أبو طالب .
اللّهمّ صلّ وسلّم وبارك عليه
يبعث من تهامة بين يدي القيامة ، في ظهره علامة ، تظلّه الغمامة ، تطيعه السّحائب ،