أنّ معنى الإرث في الموضع القرآني الآخر للقصّة إرث المال ، لا إرث النبوّة .
لأنّ زكريّا عليه السّلام لو كان قد سأل ربّه أمرين - : أحدهما ؛ أن يكون ولده طيّبا رضيّا ، والآخرة ؛ أن يرث نبوّته - لما اقتصر القرآن الكريم على ذكر الوصف الأوّل الّذي طلبه زكريّا عليه السّلام ، فإنّه ليس شيئا مذكورا بالإضافة إلى النبوّة .
ولكي تتّفق معي على هذا لاحظ نفسك فيما إذا سألك سائل بستانا ودرهما ، فأعطيته الأمرين معا ، ثمّ أردت أن تنقل القصّه وتخصّ الدرهم بالذكر ، لا أراك تفعل ذلك إلّا إذا كنت كثير التواضع ، ورجحان البستان على الدرهم في حساب القيم الماديّة ، دون امتياز النبوّة على طيب الذرّيّة في موازين المعنويّات الروحيّة .
وإذن فقصّة زكريّا عليه السّلام الّتي جاءت في سورة « آل عمران » ، ولم يذكر فيها عن الإرث كثير أو قليل دليل على أنّ الإرث المذكور في الصورة الأخرى للقصّة بمعنى إرث المال لا إرث النبوّة ، وإلّا لكان من أبرز عناصر القصّة الّتي لا يمكن إغفالها .
6 - ولاحظ بعض الباحثين في الآية الكريمة نقطتين تفسّران الإرث فيها بإرث النبوّة .
الأولى : قول زكريّا عليه السّلام عاطفا على كلمة
يَرِثُنِي
:
وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ
، فإنّ يحيى لا يرث أموال آل يعقوب ، وإنّما يرث منهم النبوّة والحكمة .
الثانية : ما قدمه النبيّ تمهيدا لدعائه من قوله :
وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي
حيث أنّ خوفه إنّما كان بسبب الإشفاق على معالم الدين والرغبة في بقائها باستمرار النبوّة ، لأنّ هذا هو اللائق بمقام الأنبياء دون الحرص على الأموال والخوف من وصولها إلى بعض الورثة .
واعترض أصحابنا على النقطة الأولى ؛ بأنّ زكريّا عليه السّلام لم يسأل ربّه أن يرث ولده أموال آل يعقوب جميعا ، وإنّما أراد أن يرث منها ، فلا يكون دليلا على التفسير المزعوم .