فإنّ كلامه يدلّ بوضوح على أنّه أراد وارثا يخلفه ، ولم يرد نبيّا يعاصره ، وإلّا لكان خوفه من الموالي بعد وفاته باقيا .
فلا بدّ - على كلّ تقدير - أن نوضح الآية على أسلوب يسلم عن الاعتراض ، وهو أن تكون جملة
يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ
، جوابا للدعاء ، بمعنى : إن رزقتني ولدا يرث ، لا صفة ، ليكون زكريّا عليه السّلام قد سأل ربّه وليّا وارثا ، فما طلبه النبيّ من ربّه تحقّق ، وهو الولد وتوريثه المال .
أو النبوّة لم يكن داخلا في جملة ما سأل ربّه ، وإنّما كان لازما لما رجاه في معتقد زكريّا عليه السّلام .
ويختلف تقدير العبارة صفة عن تقديرها جوابا من النواحي اللفظية في الإعراب ، لأنّ الفعل إذا كان صفة فهو مرفوع ، وإذا كان جوابا يتعيّن جزمه ، وقد ورد في قراءته كلا الوجهين .
وإذا لا حقنا قصّة زكريّا عليه السّلام في موضعها القرآني الآخر وجدنا أنّه لم يسأل ربّه إلّا ذرّية طيّبة ، فقد قال تبارك وتعالى في سورة آل عمران :
هُنالِكَ دَعا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً
.
وأفضل الأساليب في فهم القرآن ما كان منه مركزا على القرآن نفسه ، وعلى هذا فنفهم من هذه الآية أنّ زكريّا عليه السّلام كان مقتصدا في دعائه ، ولم يطلب من ربّه إلّا ذرّيّة طيّبة .
وقد جمع القرآن الكريم دعاء زكريّا عليه السّلام في جملة واحدة تارة ، وجعل لكلّ من الذرّيّة ، ووصفها دعوة مستقلّة في موضع آخر ، فكانت جملة
فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا
طلبا للذرّيّة ، وجملة
وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا
دعوة بأن تكون الذرّيّة طيّبة .
وإذا جعلنا هاتين الجملتين أدّت نفس المعنى الّذي تفيده عبارة
هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً
، وتخرج كلمة « يرثني » بعد عملية المطابقة بين الصيغتين