فقام معه حتّى ورد خزانة من خزائنه ، فدخلها ، ودعا بصندوق ، ففتحه واستخرج منه تابوتا مقفّلا مختوما ، فاستخرج منه طومارا لطيفا في خرقة حرير سوداء ، فأخذ الطومار بيده ونشره .
ثمّ قال : يا أبا محمّد ! هذا خطّ أبيك ؟
قال : إي واللّه .
فأخذه من يده فقبّله ، فقال له : اقرأ .
فقرأه ابن عمر ، فإذا فيه :
« بسم اللّه الرحمن الرحيم ، إنّ الّذي أكرهنا بالسيف على الإقرار به ، فأقررنا والصدور وغرة ، والأنفس واجفة ، والنيّات والبصائر شايكة ممّا كانت عليه من جحدنا ما دعانا إليه ، وأطعناه فيه رفعا لسيوفه عنّا ، وتكاثره بالحيّ علينا من اليمن ، وتعاضد من سمع به ممّن ترك دينه ، وما كان عليه آباؤه في قريش .
فبهبل اقسم والأصنام والأوثان واللات والعزّى ما جحدها عمر مذ عبدها ، ولا عبد للكعبة ربّا ، ولا صدّق لمحمّد قولا ، ولا ألقى السلام إلّا للحيلة عليه وإيقاع البطش به ، فإنّه قد أتانا بسحر عظيم ، وزاد في سحره على سحر بني إسرائيل مع موسى وهارون وداود وسليمان وابن امّه عيسى ، ولقد أتانا بكلّ ما أتوا به من السحر ، وزاد عليهم ما لو أنّهم شهدوه لأقرّوا له بأنّه سيّد السحرة .
فخذ يا ابن أبي سفيان ! سنّة قومك ، واتّباع ملّتك ، والوفاء بما كان عليه سلفك ، من جحد هذه البنية الّتي يقولون : إنّ لها ربّا أمرهم بإتيانها والسعي حولها ، وجعلها لهم قبلة ، فأقرّوا بالصلاة والحجّ الّذي جعلوه ركنا ، وزعموا أنّه للّه اختلفوا ، فكان ممّن أعان محمّدا منهم هذا الفارسيّ الطمطمانيّ روزبه .
وقالوا : إنّه أوحي إليه :
إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَهُدىً لِلْعالَمِينَ
« 1 » .
هامش
( 1 ) آل عمران : 96 .