الاسلامية ، لأنّ رجالا مثل « أبي سفيان » و « أبي جهل » و « عكرمة » و « صفوان بن أميّة » وغيرهم ، كانوا قد أوجدوا جوّا من الرعب والخوف في مكة استمرّ أعواما عديدة ، فلم يكن يجرأ أحد من المكيّين في مثل هذا الجوّ المشحون بالخوف أن يفكّر في الاسلام ، أو يظهر رغبته في اعتناقه ، والانضواء تحت لوائه .
( 1 ) فإذا لم يكن إسلام أبي سفيان الظاهريّ والسطحيّ مفيدا من حيث الواقع ، ولكنه كان مفيدا جدا لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ، وللذين كانوا تحت سيطرة أبي سفيان ونفوذ زعامته من جماهير مكة ، وبالتالي لمن كانت له علاقات قربى معه .
ومع ذلك لم يسمح رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله بإخلاء سبيل أبي سفيان لأنه لم يكن آمنا - وحتى مع إظهاره الاسلام - من جانبه قبل أن يتمّ فتح مكّة ، ولهذا أمر صلّى اللّه عليه وآله عمّه العباس بأن يحبسه بمضيق الوادي عند ممرّ الجنود ليبصر عظمة القوات الاسلامية ، وكثافتها قائلا :
« يا عبّاس احبشه بمضيق الوادي عند خطم الجبل ( أي انفه ) حتى تمرّ به جنود اللّه فيراها » .
ثم إن العباس قال لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله : يا رسول اللّه إنّ أبا سفيان هذا رجل يحب الفخر ، فاجعل له شيئا .
( 2 ) واستجاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله لهذا الطلب ، ومع أن أبا سفيان كان قد عادى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله والّب ضدّه طيلة عشرين عاما ، وأثار في وجه دعوته الحروب والفتن الكثيرة ، ووجّه بذلك ضربات كثيرة إلى الاسلام والمسلمين ، فمنحه - رغم ذلك ولمصالح خاصة - مقاما ، وقال كلمته التاريخية في حقه . . . تلك الكلمة التي تكشف عن عظمة أخلاق رسول الاسلام صلّى اللّه عليه وآله وسمو روحه ، وعمق حكمته إذ قال :
« من دخل دار أبي سفيان فهو آمن .
سيد المرسلين — صفحة 484
مساهمون: الشيخ جعفر السبحاني
ص٤٨٤