( 1 ) ولقد اختار عبد اللّه بن عبد اللّه بن أبي طريقا ثالثا في هذا الصراع ، يضمن مصالح الإسلام من جهة ، ويحافظ على مشاعره من أن تجرح على أيدي الآخرين من جهة أخرى ، وذلك بأن يكون هو الذي ينفّذ حكم الاعدام في أبيه المنافق المشاغب .
وهذا العمل وان كان شاقا مؤلما إلّا أن قوة الايمان باللّه والتسليم لأمره سبحانه كانت تفيض عليه قدرا كبيرا من الطمأنينة والسكون .
ولكن النبي الرحيم صلّى اللّه عليه وآله قال ردا على سؤال واقتراح عبد اللّه بن عبد اللّه بن أبي :
« بل نترفق به ونحسن صحبته ما بقي معنا » ! ! !
( 2 ) وهذا الكلام الذي يكشف عن سمو أخلاق النبيّ صلّى اللّه عليه وآله ومبلغ رحمته ، أدهش المسلمين جميعا فتوجهوا باللوم والعتاب الحادّ إلى المنافق « عبد اللّه بن أبي » ، ولحقه بسبب ذلك ذل شديد بين الناس ما وراءه ذل ، وهوان ما وراءه هوان ، واحتقره الناس حتى أنه لم يعد أحد يعبأ به ، ويقيم له وزنا .
لقد علّم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله المسلمين في هذه الحوادث دروسا مفيدة جدا ، وأظهر جانبا من سياسة الاسلام الحكمية ، والرشيدة .
فقد تحطم « عبد اللّه بن أبي » رئيس المنافقين بعد هذه الحادثة ، ولم يعد له أي دور ، بل عاش بقية حياته مهانا محتقرا بين الناس بعد أن رأى الناس إيذاءه المستمر لرسول اللّه ، وعفو النبي صلّى اللّه عليه وآله عنه ، واغضاءه عن مساوئه .
وقد قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله لعمر بن الخطاب ذات يوم حين بلغه احتقار الناس لابن أبي ذلك الاحتقار ، وسقوط محله في القلوب :
« كيف ترى يا عمر ، أما واللّه لو قتلته يوم قلت لي : اقتله ، لارعدت له انف ، لو أمرتها اليوم بقتله لقتلته » .
فقال عمر : قد واللّه علمت لأمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله أعظم بركة
سيد المرسلين — صفحة 310
مساهمون: الشيخ جعفر السبحاني
ص٣١٠