باللّه : ما قلت ما قال ، وقال بعض من حضر من أهل الرأي من أصحابه دفاعا عن ابن أبي : يا رسول اللّه عسى أن يكون الغلام قد أوهم في حديثه ولم يحفظ ما قال الرجل .
( 1 ) ولكن الامر لم ينته إلى هذا ، فقد كان هذا نوعا من الهدوء المؤقت تماما كالهدوء الذي يسبق العاصفة ، الذي لا يمكن الاطمئنان إليه .
فقد كان يتوجب على قائد المسلمين الأعلى أن يقوم فورا بما يؤدي إلى أن ينسى الطرفان هذه القصة نهائيا ، ولهذا أمر بالرحيل في ساعة من النهار لم يكن صلّى اللّه عليه وآله يرتحل فيها عادة .
فجاءه « أسيد بن حضير » ، وقال : يا رسول اللّه لقد رحت في ساعة منكرة ما كنت تروح في مثلها ؟
فقال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله :
« أو ما بلغك ما قال صاحبكم ؟ زعم أنه إن رجع إلى المدينة أخرج الأعز منها الأذل » ؟
فقال أسيد : فأنت واللّه يا رسول اللّه تخرجه إن شئت ، هو واللّه الذليل ، وأنت العزيز ، ارفق به يا رسول اللّه ، فو اللّه لقد جاء اللّه بك وان قومه لينظمون له الخرز ليتوّجوه ، وأنه ليرى أنك قد استلبته ملكا .
( 2 ) ثم أمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله بالرحيل فارتحل الناس ، وسار بهم النبي صلّى اللّه عليه وآله يومهم ذاك حتى أمسى ، وليلتهم تلك حتى أصبح ، من دون أن يسمح لهم بالنزول والاستراحة ، إلّا للصلاة ، وسار بهم في اليوم هكذا حتى آذتهم الشمس وسلبوا القدرة على مواصلة السير فأذن لهم بالاستراحة ، فنزل الناس ، ولم يلبثوا ان وجدوا مسّ الأرض فوقعوا نياما من شدة التعب ، وقد نسوا كل شيء من تلك الذكريات المرّة ، وكان هذا هو ما يريده النبي صلّى اللّه عليه وآله ، فقد سار بهم ليل نهار من دون توقف ليشغلهم عن الحديث الذي كان من
سيد المرسلين — صفحة 308
مساهمون: الشيخ جعفر السبحاني
ص٣٠٨