على جميع تلك العوالم من دون أدنى وسيلة نقل من هذا القبيل ؟ !
( 1 ) فإننا نقول في معرض الإجابة على اعتراضهم هذا بأن جواب هذا الاعتراض يتضح من الأبحاث التي سبقت منا حول معاجز الأنبياء وخصوصا بحثنا المفصّل حول حادثة عام الفيل وهلاك جيش أبرهة العظيم بالأحجار الصغيرة ، لأنه من المسلّم أنّ ما يستطيع البشر فعله عن طريق الأدوات والآلات العلمية الصناعية يستطيع الأنبياء فعله بعناية اللّه تعالى ، وإقداره وبدون الأسباب الظاهرية والخارجية .
لقد عرج رسول الاسلام صلّى اللّه عليه وآله إلى السماء بعناية وباقدار اللّه الذي خلق الوجود كله ، وأقام هذا النظام البديع برمته ، فهو الذي أعطى للأرض جاذبيتها ، وأعطى للشمس أشعتها وأوجد مختلف طبقات الهواء ، وأنواع الغازات في الجوّ ، ومتى أراد أخذها وانتزاعها منها ، أو كبح جماحها ، وردّ عاديتها .
( 2 ) فإذا تحقق معراج النبيّ الأكرم محمّد صلّى اللّه عليه وآله في ظلّ العناية الإلهيّة فانّ من المسلّم ان جميع النواميس تخضع أمام قدرته القاهرة ، وارادته الغالبة ، وهي طوع إرادته ، والسماوات والأرض مطويّات بيمينه والجميع في قبضته ورهن اشارته دائما وأبدا ، وفي كل حين وأوان .
وعلى هذا فما ذا يمنع من أن يعمل اللّه الذي منح للأرض جاذبيتها ، وللأجرام السماوية أشعتها ، على إخراج عبده المصطفى بقدرته المطلقة ومن دون الأسباب الظاهرية ، من مركز الجاذبية الأرضيّة ، ويصونه من أخطار الأشعة الكونية ، وأن يعمد خالق كل هذا القدر الهائل من الاوكسيجين إلى إيجاد الهواء اللازم لنبيّه في الطبقات التي ينعدم فيها الهواء ، وهذا هو معنى قولهم : « إنّ اللّه مسبّب الأسباب ومعطّل الأسباب » .
ان أمر المعجزة يختلف ويفترق أساسا عن أمر العلل الطبيعية والقدرة البشرية .
( 3 ) ونحن يجب أن لا نقيس قدرة اللّه المطلقة بقدرتنا المحدودة ، فإذا كنّا لا نقدر
سيد المرسلين — صفحة 552
مساهمون: الشيخ جعفر السبحاني
ص٥٥٢