وبهذا - حسب تصوّره - أرضى من نفسه كلا الطرفين المذكورين ، لأنه من جانب اعتقد بالمعاد الجسماني ، وفي نفس الوقت تخلّص من اشكال « خرق الأفلاك والتحامها » لأن نفوذ الجسم البرزخي لا يستوجب أي خرق وانفصال في جدار الفلك .
( 1 ) ولكن هذه النظرية - كما هو واضح لكلّ عالم متحرّ للحقيقة ، بعيد عن العصبية - واضحة البطلان كسابقتها ( نظرية المعراج الروحاني ) ، فمضافا إلى أنها مخالفة للقرآن وظاهر الأحاديث ، لأنّه - كما أسلفنا - لو عرضنا آية المعراج ( من سورة الإسراء ) على أيّ عارف باللغة ، مهما كانت وطلبنا منه رأيه في هذا الصدد لقال : ان مراد القائل هو البدن الدنيوي العنصري الذي عبّر عنه القرآن بلفظ العبد ، في قوله تعالى :
« سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ »
، وليس الهورقليائي الذي لم يكن يعرفه المجتمع العربيّ ، ولا يعرف أمثاله في ذلك اليوم أساسا ، في حين أنهم كانوا هم المخاطبون في آية المعراج في سورة الإسراء لا غيرهم .
هذا مضافا إلى أنّ ما دفع بالشيخ إلى ارتكاب هذا التأويل البارد هو الأسطورة اليونانية المذكورة حول الفلك ، حيث تصوّرها كحقيقة ثابتة من حقائق اللوح المحفوظ ، وقد كذبها وفندها كل فلكييّ العالم اليوم ، وأعلنوا عن سخافتها .
فلا يجوز لنا أن نقلّد تلك الفرضية تقليدا أعمى .
وإذا ما رأينا بعض القدماء من المشايخ قال بمثل هذا محسنا الظن بتلك الفرضية الفلكية القديمة وأمثالها أمكن إعذارهم ، لعدم قيام أدلة علمية قوية على خلافها آنذاك .
اما اليوم فلا ينبغي لنا ان نتجاهل الحقائق القرآنية لفرضية ثبت بطلانها في الأوساط العملية
( 2 )
المعراج وقوانين العلم الحديث :
قد يتصور فريق من الناس أن القوانين الطبيعية والعلمية الحاضرة لا تتلاءم