3 - الضالّ : من ضلّ الشيء إذا ضؤل وخفى ذكره .
وتفسير الآية بأيّ واحدة من هذه المعاني لا يثبت ما يدعيه الذين يتمسكون بها لاثبات ضلال النبي صلّى اللّه عليه وآله قبل البعثة .
أما المعنى الأول فهو المقصود في كثير من الآيات قال سبحانه :
« غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ »
« 1 » .
لكن الضلالة على نوعين :
النوع الأول ما تكون الضلالة فيه أمرا وجوديا في النفس يوجب ظلمة النفس ومنقصتها ، مثل الكفر والشرك والنفاق ، والضلالة بهذا المعنى قابلة للزيادة والنقصان قال سبحانه :
« إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ »
« 2 » .
النوع الثاني ما تكون الضلالة فيه أمرا عدميا ، وذلك عندما تكون النفس فاقدة للرشاد ، وعندئذ يكون الإنسان ضالا بمعنى أنه غير واجد للهداية من عند نفسه ، وذلك كالطفل الذي أشرف على التمييز وكاد أن يعرف الخير والشر ، ويميز بين الصلاح والفساد فهو آنذاك ضالّ بمعنى أنه غير واجد للنور الذي يهتدي به في سبل الحياة لا بمعنى كينونة ظلمة الكفر والفسق في نفسه وروحه .
والمراد من الضالّ في قوله تعالى
« وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى »
لو كان ما يضادّ الهداية فهو يهدف إلى النوع الثاني ، فيكون المعنى انك في ابان عمرك كنت غير واجد للهداية من عند نفسك فهداك اللّه إلى أسباب السعادة وعرفك عوامل الشقاء ، وهو إشارة إلى قانون الهي عام في حياة البشر أنبياء وأناسا ماديين ، وهو ان هداية كل إنسان بل كل ممكن مكتسبة من اللّه قال سبحانه :
« قالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى »
« 3 » .
وعلى هذا الأساس فالآية تهدف إلى ذكر النعم التي أنعم اللّه بها على نبيه الحبيب منذ ان استعد لها فاواه بعد ما صار يتيما ، وأفاض عليه الهداية بعد ما كان
هامش
( 1 ) الفاتحة : 7 .
( 2 ) التوبة : 37 .
( 3 ) طه : 50 ، وراجع الآيات : 2 و 3 من سورة الأعلى و 43 من سورة الأعراف و 78 من سورة الشعراء وغيرها .