لقد كان ظهور مثل هذا الفساد الأخلاقي وهذا الموقف المتعصّب من الآخرين أمرا لا بدّ منه بحسب المحاسبات الاجتماعية .
فالبيئة المكيّة لا بد أن تغرق في الفساد والانحراف حتى يتهيأ العالم لانقلاب أساسيّ ونهضة جذرية .
إن كل ذلك الانفلات الأخلاقي والترف والانحراف كان يهيء الأرضية ويعدّها لظهور مصلح عالمي ، أكثر فأكثر .
ولهذا لم يكن غريبا أن يغضب « أبو سفيان » فرعون مكة وطاغيتها على « ورقة بن نوفل » حكيم العرب الذي تنصر في أخريات حياته واطلع على ما في الإنجيل ، كلما تحدّث عن اللّه والأنبياء ويقول له : « لا حاجة إلى مثل هذا الاله وهذا النبي ، تكفينا عناية اصنامنا » ! !
( 1 )
عبد اللّه والد النبيّ :
يوم فدى « عبد المطلب » ولده « عبد اللّه » بمائة من الإبل نحرها ، وأطعم الناس في سبيل اللّه ، لم يكن يمض من عمر « عبد اللّه » أكثر من أربعة عشر ربيعا ، وقد تسبّبت هذه الواقعة في أن يكتسب « عبد اللّه » شهرة خاصة بين عشيرته مضافا إلى شهرته الكبرى بين قريش ، وأن يحظى بمكانة كبيرة عند أبيه :
« عبد المطلب » بنحو خاص ، لأن ما يكلّف الانسان غاليا ، ويتحمل في سبيله عناء أكثر لا بدّ أن يحظى لديه بمكانة أكبر ، ويحبّه محبة تفوق المتعارف .
ومن هنا كان « عبد اللّه » يتمتع باحترام يفوق الوصف بين أبناء عشيرته وأفراد عائلته وأقربائه .
( 2 ) ثم إن « عبد اللّه » يوم كان يتوجه برفقة والده إلى المذبح كان يعاني من مشاعر وأحاسيس متناقضة ومتضادة ، فهو من جانب كان يكنّ لوالده احتراما كبيرا وحبا شديدا ، ولهذا لم يكن يجد بدا من طاعته ، والانصياع لمطلبه ، بينما كان من جانب آخر يعاني من قلق ، واضطراب شديدين على حياته التي كان يرى كيف تعبث بها يد القدر ، وتكاد تقضي عليها كما يقضي الخريف على