وقال عبد اللّه بن عمرو بن مخزوم :
أنت الجليل ربنا لم تدنس * أنت حبست الفيل بالمغمّس
من بعد ما همّ بشيء مبلس * حبسته في هيئة المكركس « 1 »
وقال ابن قيس الرقيات في قصيدة :
واستهلّت عليهم الطير با * لجندل حتى كأنّه مرجوم « 2 »
( 1 ) ما ذا بعد هزيمة الأحباش ؟
لقد استوجب مقتل أبرهة وتحطّم جيشه وهلاكهم ، وبالتالي هزيمة أعداء الكعبة المشرفة ، وأعداء قريش ، أن يتعاظم شأن المكيّين ، وشأن الكعبة الشريفة في نظر العرب ، فلا يجرأ أحد - بعد ذلك - في أن يحدّث نفسه بغزو مكة ، والإغارة على قريش ، أو أن يفكر في التطاول على الكعبة المعظمة صرح التوحيد الشامخ ، فقد اخذ الناس يقولون في أنفسهم : إنّ اللّه أهلك أعداء بيته المعظم بمثل ذلك الاهلاك احتراما لبيته وتعظيما لشأن قريش ، وقلّما كان يتصور أحد أن ما وقع كان لأجل المحافظة على الكعبة فقط ، اي من دون أن يكون لمكانة قريش ومنزلتهم وشأنهم دخل في ذلك ، ويشهد بذلك أن قريشا تعرضت مرارا لحملات متكررة من غزاة ذلك العصر دون أن يصابوا بمثل ما أصيب به جند « أبرهة » الذي قصد الكعبة بالذات ويواجهوا ما واجهه ، من الردع والكبت .
( 2 ) إنّ هذا الفتح والظفر الذي نالته قريش من دون تعب ونصب ، ومن دون إراقة أية دماء من أبنائها ، أحدثت في نفوس القرشيين حالات جديدة خاصة ، فقد زادت من غرورهم وحميّتهم ، وعنجهيتهم ، واعتزازهم بعنصرهم ، فأخذوا يفكرون في تحديد شؤون الآخرين ، والتقليل من وزنهم ، اعتقادا منهم بأنهم الطبقة الممتازة من العرب دون سواهم . كما أنها دفعتهم إلى أن يتصوّروا أنهم وحدهم موضع عناية الأصنام ( الثلاثمائة والستين ) فهم وحدهم الذين تحبّهم
هامش
( 1 ) المنكّس .
( 2 ) تفسير مجمع البيان للطبرسي : ج 10 ص 543 في تفسير سورة الفيل .