ومع إقرار أبي بكر بصدقها ووفور عقلها ، كان اللازم عليه أن يحكم بعلمه من غير بيّنة ، فإنّ علم الحاكم أقوى من الظنّ الحاصل من البيّنة .
وهل البيّنة إلّا طريق للكشف عن الواقع ، وهو معلوم بثبوت صدقها في كلّ ما تدّعيه .
ولو جاز لأبي بكر طلب البيّنة منها - مع ما ورد فيها من كونها « صدّيقة » - فأيّ فرق بيقى بينها وبين سائر الناس ، ممّن لم يرد فيهم الشهادة بالصدق ؟ !
ولو جاز لأبي بكر طلب البيّنة منها ؟ فما هي ثمرة تلكم الأحاديث التي دلّت على صدقها وعصمتها وطهارتها ؟
لا شكّ في صدق دعواها :
وبالجملة : فإنّ للزهراء عليها السّلام من منازل القدس والجلالة ، عند اللّه ورسوله صلّى اللّه عليه وآله ما يوجب الثقة التامّة في صحّة ما تدّعي ، والطمأنينة الكاملة بكلّ ما تقول ، فلا تحتاج في إثبات دعواها إلى شاهد ، كيف وإنّ لسانها ليتجافى عن كلّ باطل ، وحاشا للّه أن تنطق بغير الحقّ ، فدعواها لوحدها كاشفة عن صحّة ما تقول ، بأعلى مراتب الكشف ، وأبو بكر من أعرف الناس بها ، وبصدقها ، وعصمتها ، ولكن الملك عقيم .
والأمر كما ذكره علي بن الفارقي ، أحد شيوخ ابن أبي الحديد المعتزلي ، إذ سأله : أكانت فاطمة صادقة في دعواها النحلة ؟
قال : نعم ، قال له ابن أبي الحديد : فلم لم يدفع لها أبو بكر فدكا وهي عنده صادقة ؟
فتبسّم ، ثمّ قال كلاما لطيفا مستحسنا مع ناموسه وحرمته وقلّة دعابته :
قال : لو أعطاها اليوم فدكا بمجرّد دعواها ، لجاءت إليه غدا وادّعت لزوجها الخلافة ، وزحزحته عن مقامه ، ولم يكن يمكنه حينئذ الاعتذار بشيء ، لأنّه يكون