البلاد ، وكاد الشيطان [ أن ] يحملني على الإساءة إليها ، فكظمت غيظي وأحسنت رفدها « 1 » وكسوتها ، فلمّا خرجت من عندي المرأة ، نهضت ودخلت على أبي وأخبرته بالخبر ، وكان سكرانا لا يعقل ، فقال : يا غلام عليّ بالسيف . فاتي به ، فركب وقال :
واللّه لأقتلنّه ! فلمّا رأيت ذلك قلت : إنّا للّه وإنّا إليه راجعون ، ما صنعت بنفسي وبزوجي ، وجعلت ألطم حرّ وجهي « 2 » ؛
فدخل عليه والدي ، وما زال يضربه بالسيف حتّى قطّعه ؛
ثمّ خرج من عنده ، وخرجت هاربة من خلفه ، فلم أرقد ليلتي .
فلمّا ارتفع النهار أتيت أبي ، فقلت : أتدري ما صنعت البارحة ؟ قال : وما صنعت ؟ قلت : قتلت ابن الرضا عليه السلام ، فبرّق عينيه « 3 » ، وغشي عليه ، ثمّ أفاق بعد حين وقال : ويلك ما تقولين ؟ قلت : نعم - واللّه - يا أبت ، دخلت عليه ولم تزل تضربه بالسيف حتّى قتلته ، فاضطرب من ذلك اضطرابا شديدا ، وقال : عليّ بياسر الخادم .
فجاء ياسر فنظر إليه المأمون ، وقال : ويلك ، ما هذا الّذي تقول هذه ابنتي ؟
قال : صدقت يا أمير المؤمنين ، فضرب بيده على صدره وخدّه ، وقال : إنّا للّه وإنّا إليه راجعون ، هلكنا واللّه « 4 » وعطبنا ، وافتضحنا إلى آخر الأبد ؛
ويلك يا ياسر ! فانظر ما الخبر والقصّة عنه عليه السلام ؟ وعجّل عليّ بالخبر ، فإنّ نفسي تكاد أن تخرج الساعة .
فخرج ياسر وأنا ألطم حرّ وجهي ، فما كان بأسرع من أن رجع ياسر ، فقال :
البشرى يا أمير المؤمنين . قال : لك البشرى ، فما عندك ؟
قال ياسر : دخلت عليه ، فإذا هو جالس وعليه قميص ودوّاج « 5 » وهو يستاك ؛
فسلّمت عليه وقلت : يا ابن رسول اللّه ، احبّ أن تهب لي قميصك هذا اصلّي فيه ، وأتبرّك به ، وإنّما أردت أن أنظر إليه وإلى جسده ، هل به أثر السيف ؟
هامش
( 1 ) - الرفد : العطاء .
( 2 ) - حرّ الوجه : ما بدا من الوجنة .
( 3 ) - « عينه » خ ل . وبرّق عينيه وبعينيه : وسّعهما وأحدّ النظر .
( 4 ) - « باللّه » خ ل .
( 5 ) - الدوّاج : معطف غليظ .