وكتب مسرور بالخبر إلى الرشيد ، فأمر بتسليم موسى عليه السّلام إلى السندي بن شاهك ، وجلس مجلسا حافلا « 1 » وقال : أيّها الناس إنّ الفضل بن يحيى قد عصاني ، وخالف طاعتي ورأيت أن ألعنه فالعنوه . فلعنه الناس من كلّ ناحية حتّى ارتجّ البيت والدار بلعنه .
وبلغ يحيى بن خالد ، فركب إلى الرشيد ، ودخل من غير الباب الذي يدخل الناس منه حتى جاءه من خلفه وهو لا يشعر ثمّ قال : التفت إليّ يا أمير المؤمنين .
فأصغى إليه فزعا ، فقال : إنّ الفضل حدث ، وأنا أكفيك ما تريد . فانطلق وجهه وسرّ ، وأقبل على الناس فقال : إنّ الفضل كان عصاني في شيء فلعنته ، وقد تاب وأناب إلى طاعتي فتولّوه .
فقالوا له : نحن أولياء [ من واليت ] وأعداء من عاديت ، وقد تولّيناه .
ثمّ خرج يحيى بن خالد بنفسه على البريد ، حتّى أتى بغداد ، فماج « 2 » الناس وأرجفوا بكلّ شيء . فأظهر أنّه ورد لتعديل السواد ، والنظر في أمر العمّال ، وتشاغل ببعض ذلك ، ودعا السندي فأمره فيه بأمره ، وامتثله .
وسأل موسى عليه السّلام السندي عند وفاته أن يحضره مولى له ينزل عند دار العباس ابن محمد في أصحاب القصب ليغسّله ، ففعل ذلك .
قال : وسألته أن يأذن لي أن أكفّنه فأبى وقال : إنّا أهل بيت ، مهور نسائنا وحجّ صرورتنا « 3 » ، وأكفان موتانا من طهرة أموالنا ، وعندي كفني .
فلمّا مات أدخل عليه الفقهاء ووجوه أهل بغداد وفيهم : الهيثم بن عدي وغيره ، فنظروا إليه لا أثر به ، وشهدوا على ذلك ، واخرج فوضع على الجسر ببغداد ، ونودي :
« هذا موسى بن جعفر قد مات فانظروا إليه » . فجعل الناس يتفرّسون في وجهه وهو ميّت .
هامش
( 1 ) - « قوله : حافلا ، أي : ممتلئا » منه رحمه اللّه .
( 2 ) - « فماج النّاس . أي : اضطربوا » منه أيضا .
( 3 ) - الصرورة : يقال للذي لم يحجّ بعد ، ومثله : امرأة صرورة للتي لم تحجّ بعد . مجمع البحرين : 3 / 365 .