قد حبّره بفطنته ، وحسّنه بحكمته ، قد جعله حاجزا بين الناس ، يأمرهم بالخير ويحثّهم عليه ، وينهاهم عن السوء والفساد ويزجرهم عنه ، لئلّا يتهاوشوا « 1 » ولا يقتل بعضهم بعضا .
قال عليه السّلام : ويحك ! إنّ من خرج من بطن امّه أمس « 2 » ، ويرحل عن الدنيا غدا ، لا علم له بما كان قبله ، ولا ما يكون بعده ، ثمّ إنّه لا يخلو الإنسان من أن يكون خلق نفسه ، أو خلقه غيره ، أولم يزل موجودا ، فما ليس بشيء « 3 » لا يقدر على أن يخلق شيئا ، وهو ليس بشيء ،
وكذلك ما لم يكن فيكون شيئا ، يسأل فلا يعلم كيف كان ابتداؤه ، ولو كان الإنسان أزليّا لم تحدث فيه الحوادث ، لأنّ الأزليّ لا تغيّره الأيّام ، ولا يأتي عليه الفناء ؛
مع أنّا لم نجد « 4 » بناء من غير بان ، ولا أثرا من غير مؤثّر ، ولا تأليفا من غير مؤلّف ؛
فمن زعم أنّ أباه خلقه ، قيل : فمن خلق أباه ؟ ولو أنّ الأب هو الّذي خلق ابنه ؛
هامش
( 1 ) تهاوشوا : اختلطوا . وفي المصدر : تهارشوا ، من تهارشت الكلاب أي يتقاتلون ويتواثبون .
( 2 ) حاصله أنّ الأنبياء يخبرون الناس بما كان وما يكون ، فلو كان كما زعمه السائل فأنّى لهم علم ذلك ؟ »
( 3 ) هذا إبطال للشقّ الأوّل ، وهو أن يكون خلق نفسه ، وهو مبنيّ على ما يحكم به العقل من تقدّم العلّة على المعلول بالوجود ، ولمّا كان الشقّ الثاني متضمّنا لما هو المطلوب - وهو كون الصانع سوى هذه الممكنات الحادثة - ولما هو غير المطلوب - وهو كون صانعه مثله في الحدوث - أبطل هذا بقول : ( وكذلك ما لم يكن فيكون ) أي لا يمكن أن يكون صانعه شيئا لم يكن فوجد ، وهو بحيث إذا سئل لا يعلم كيف ابتدأ نفسه ، لأنّ الممكن الّذي اكتسب الوجود من غيره ، وهو في معرض الزوال لا يتأتّى منه إيجاد غيره .
ويحتمل أن يكون ضمير « ابتداؤه » راجعا إلى المعلول ، أي كيف يكون إنسان موجدا لإنسان آخر مع أنّه إذا سئل لا يعلم كيف كان ابتداء خلق هذا الآخر ؛
ويحتمل أن يكون على الوجه الأوّل دليلا آخر على إبطال الشقّ الأوّل ؛
أي لا يكون الإنسان موجدا لنفسه ، وإلّا لكان يعلم ابتداء خلقه » ؛ .
( 4 ) « وقوله : ( مع أنّا لم نجد ) دليل آخر على إبطال ما سبق ، مبنيّا على ما يحكم به العقل من أنّ التركيب والتأليف يوجب الاحتياج إلى المؤثّر ، ثمّ قال : فلو قيل : إنّ خالق الابن هو الأب ننقل الكلام إلى الأب حتّى ينتهى إلى صانع غير مؤلّف ولا مركّب لا يحتاج إلى صانع آخر ؛
وإنّما خصّ الأب لأنّه أقرب الممكنات إليه ، ثمّ أبطل كون الأب خالقا بوجه آخر ، وهو أنّه لو كان خالقا لابنه ، لخلقه على ما يريده ويشتهيه ، ولملك حياته وبقاءه إلى آخر ما ذكره عليه السّلام » منه ره .