عنه ، وسمّوا كتبهم أساطير [ الأوّلين ] ووضعوا لأنفسهم دينا بآرائهم واستحسانهم ؛
إنّ الأشياء تدلّ على حدوثها من دوران الفلك بما فيه ، وهي سبعة أفلاك وتحرّك الأرض ومن عليها ، وانقلاب الأزمنة ، واختلاف الوقت والحوادث الّتي تحدث في العالم من زيادة ونقصان ، وموت وبلى ، واضطرار النفس « 1 » إلى الإقرار بأنّ لها صانعا ومدبّرا ؛
أما ترى الحلو يصير حامضا ، والعذب مرّا ، والجديد باليا ، وكلّ إلى تغيّر وفناء ؟
قال : فلم يزل صانع العالم عالما بالأحداث الّتي أحدثها قبل أن يحدثها ؟
قال : لم يزل يعلم ، فخلق ما علم .
قال : أمختلف هو أم مؤتلف « 2 » ؟
قال : لا يليق به الاختلاف ولا الايتلاف ، إنّما يختلف المتجزّئ ، ويأتلف المتبعّض ، فلا يقال له : مؤتلف ولا مختلف .
قال : فكيف هو اللّه الواحد ؟ قال : واحد في ذاته ، فلا واحد كواحد ، لأنّ ما سواه من الواحد متجزّئ ، وهو تبارك وتعالى واحد لا يتجزّأ ولا يقع عليه العدّ .
قال : فلأيّ علّة خلق الخلق وهو غير محتاج إليهم ، ولا مضطرّ إلى خلقهم ، ولا يليق به العبث بنا ؟ قال : خلقهم لإظهار حكمته ، وإنفاذ علمه ، وإمضاء تدبيره .
قال : وكيف لا يقتصر على هذه الدار فيجعلها دار ثوابه ومحتبس عقابه ؟
قال : إنّ هذه الدار دار ابتلاء ، ومتجر الثواب ، ومكتسب الرحمة ، ملئت آفات ، وطبّقت شهوات ، ليختبر فيها عبيده بالطاعة ، فلا يكون دار عمل دار جزاء « 3 » .
قال : أفمن حكمته أن جعل لنفسه عدوّا ، وقد كان ولا عدوّ له ؟ فخلق كما زعمت إبليس
هامش
( 1 ) « قوله عليه السّلام : ( واضطرار النفس ) عطف على دوران الفلك » ؛
( 2 ) « أي أهو مركّب من أجزاء مختلفة الحقيقة أم من أجزاء متّفقة الحقيقة ؟ فأجاب عليه السّلام بنفيهما » منه ره
( 3 ) « أي لا يصلح كون دار العمل دار جزاء ، لأنّ الاختيار والتكليف يقتضي كون دار العمل مشو بالراحة والآلام والصحّة والأسقام ، ولا تكون ذات نعم خالصة ليصلح لكونها محلّ جزاء للمطيعين ، ولا تكون عقوباتها خالصة ، وإلّا لزم الإلجاء وينافي التكليف فلا يصلح كونها دار عقاب للعاصين والكافرين » منه ره .