عزّ وجلّ جعلهم في موضع لا يكون أعلى درجة وشرفا منه ، فمن كان خازن علم اللّه وأمين غيبه ، ومستودع سرّه ، وحجّته على خلقه ، وترجمانه ولسانه ، لا يكون إلّا بهذه الصفة .
فالحجّة لا يكون إلّا من نسلهم يقوم مقام النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم في الخلق بالعلم الّذي عنده ، وورثه عن الرسول ، إن جحده الناس سكت ، وكان بقاء ما عليه الناس قليلا ممّا في أيديهم من علم الرسول على اختلاف منهم فيه ، قد أقاموا بينهم الرأي والقياس ؛
وإنّهم إن أقرّوا به وأطاعوه وأخذوا عنه ظهر العدل ، وذهب الاختلاف والتشاجر ، واستوى الأمر ، وأبان الدين ، وغلب على الشكّ اليقين ؛
ولا يكاد أن يقرّ الناس به أو يحقّوا له « 1 » بعد فقد الرسول ، وما مضى رسول ولا نبيّ قطّ لم تختلف امّته من بعده ، وإنّما كان علّة اختلافهم ، خلافهم على الحجّة وتركهم إيّاه .
قال : فما يصنع بالحجّة إذا كان بهذه الصفة ؟
قال عليه السّلام : قد يقتدى به ، ويخرج عنه الشيء بعد الشيء ممّا فيه منفعة الخلق وصلاحهم ، فإن أحدثوا في دين اللّه شيئا أعلمهم ؛
وإن زادوا فيه أخبرهم ، وإن نقصوا « 2 » منه شيئا أفادهم .
ثمّ قال الزنديق : من أيّ شيء خلق الأشياء ؟ قال عليه السّلام : لا من شيء .
فقال : فكيف يجيء من لا شيء شيء ؟
قال عليه السّلام : إنّ الأشياء لا تخلو أن تكون خلقت من شيء ، أو من غير شيء ، فإن كانت خلقت من شيء كان معه ، فإنّ ذلك الشيء قديم ، والقديم لا يكون حديثا « 3 » ولا يفنى ولا يتغيّر ، ولا يخلو ذلك الشيء من أن يكون جوهرا واحدا ولونا واحدا ، فمن أين جاءت
هامش
( 1 ) « ولا يطيعوا له أو يحفظوا له » م .
( 2 ) « نفدوا » م .
( 3 ) « أي ما يكون وجوده أزليّا لا يكون محدثا معلولا ، فيكون واجب الوجود بذاته فلا يعتريه التغيّر والفناء ، وقد نسب إلى بعض الحكماء أنّه قال :
المبدع الأوّل هو مبدع الصور فقط دون الهيولى ، فإنّها لم تزل مع المبدع ؛
فأنكر عليه سائر الحكماء وقالوا : إنّ الهيولى لو كانت أزليّة قديمة لما قبلت الصور ، ولما تغيّرت من حال إلى حال ، ولما قبلت فعل غيرها ، إذ الأزليّ لا يتغيّر » منه ره .