خلقه ، فيختطفها ثمّ يهبط بها إلى الأرض ، فيقذفها إلى الكاهن ، فإذا قد زاد كلمات من عنده ، فيختلط الحقّ بالباطل ، فما أصاب الكاهن من خبر ممّا كان يخبر به ، فهو ما أدّاه إليه شيطانه ممّا سمعه ، وما أخطأ فيه فهو من باطل ما زاد فيه ، فمذ منعت الشياطين عن استراق السمع انقطعت الكهانة ، واليوم إنّما تؤدّي الشياطين إلى كهّانها أخبارا للناس ممّا يتحدّثون به وما يحدّثونه ، والشياطين تؤدّي إلى الشياطين ما يحدث في البعد من الحوادث من سارق سرق ، وقاتل قتل ، وغائب غاب ، وهم بمنزلة الناس أيضا صدوق وكذوب .
فقال : كيف صعدت الشياطين إلى السماء وهم أمثال الناس في الخلقة والكثافة ، وقد كانوا يبنون لسليمان بن داود من البناء ما يعجز عنه ولد آدم ؟
قال : غلّظوا لسليمان كما سخّروا ، وهم خلق رقيق غذاؤهم التنسّم « 1 » ؛
والدليل على ذلك صعودهم إلى السماء لاستراق السمع ، ولا يقدر الجسم الكثيف على الارتفاع « 2 » إليها إلّا بسلّم أو سبب . قال :
فأخبرني عن السحر ما أصله ؟ وكيف يقدر الساحر على ما يوصف من عجائبه وما يفعل ؟
قال : إنّ السحر على وجوه شتّى : وجه منها بمنزلة الطبّ « 3 » ، كما أنّ الأطباء وضعوا لكلّ داء دواء ، فكذلك علم السحر احتالوا لكلّ صحّة آفة ، ولكلّ عافية عاهة ، ولكلّ معنى حيلة .
ونوع آخر منه ، خطفة وسرعة ومخاريق وخفّة .
ونوع آخر ما يأخذ أولياء الشياطين عنهم .
قال : فمن أين علم الشياطين السحر ؟
قال : من حيث عرف الأطبّاء الطبّ ، بعضه تجربة ، وبعضه علاج .
قال : فما تقول في الملكين :
هاروت وماروت ، وما يقول الناس بأنّهما يعلّمان الناس السحر ؟
هامش
( 1 ) « النسيم » م .
( 2 ) « الارتقاء » خ .
( 3 ) « أي إنّ اللّه تعالى كما جعل لبعض الأدوية المضرّة تأثيرا في البدن ثمّ جعل في بعض الأدوية ما يدفع ضرر تلك الأدوية ، فكذلك جعل لبعض الأعمال تأثيرا في أبدان الخلق وعقولهم ، فهذا هو السحر وأجرى على لسان الأنبياء والأوصياء آيات وأدعية وأسماء وأعمالا تدفع ضرر ذلك عنهم » منه ره .