فأمّا ما ذكرت من السابقين فهم أنبياء مرسلون وغير مرسلين ، جعل اللّه فيهم خمسة أرواح : روح القدس وروح الإيمان ، وروح القوّة ، وروح الشّهوة ، وروح البدن وبيّن ذلك في كتابه حيث قال :
تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ
« 1 » .
ثمّ قال في جميعهم
وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ
« 2 » . فبروح القدس بعثوا أنبياء مرسلين وغير مرسلين ، وبروح القدس علموا جميع الأشياء ، وبروح الإيمان عبدوا اللّه ولم يشركوا به شيئا ، وبروح القوّة جاهدوا عدوّهم وعالجوا معايشهم ، وبروح الشهوة أصابوا لذّة الطعام ونكحوا الحلال من النساء ، وبروح البدن يدبّ ويدرج .
وأمّا ما ذكرت من « أصحاب الميمنة » فهم المؤمنون حقّا ، جعل فيهم أربعة أرواح : روح الإيمان ، وروح القوّة ، وروح الشهوة ، وروح البدن ، ولا يزال العبد مستعملا بهذه الأرواح الأربعة حتّى يهمّ بالخطيئة ، فإذا همّ بالخطيئة زيّن له روح الشهوة ، وشجّعه روح القوّة ، وقاده روح البدن حتّى يوقعه في تلك الخطيئة ، فإذا لامس الخطيئة انتقص من الإيمان وانتقص الإيمان منه ، فإن تاب تاب اللّه عليه ؛
وقد يأتي على العبد تارات ينقص منه بعض هذه الأربعة ، وذلك قول اللّه تعالى :
وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً
« 3 » .
فتنتقص روح القوّة ، ولا يستطيع مجاهدة العدوّ ، ولا معالجة المعيشة وتنتقص منه روح الشهوة ، فلو مرّت به أحسن بنات آدم لم يحنّ إليها ، وتبقى فيه روح الإيمان وروح البدن ، فبروح الإيمان يعبد اللّه ، وبروح البدن يدبّ ويدرج حتّى يأتيه ملك الموت .
وأمّا ما ذكرت « أصحاب المشئمة » فمنهم أهل الكتاب ، قال اللّه تبارك وتعالى :
الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ * الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ
« 4 » .
هامش
( 1 ) - البقرة : 253 .
( 2 ) - المجادلة : 22 .
( 3 ) - النحل : 70 .
( 4 ) - البقرة : 146 و 147 .