وأمير المؤمنين عليه السّلام كان محتاجا إلى التأليف وحقن الدماء ، ورأى أنّه إن بلغ مبلغ عمر عمّا رغب فيه من مناكحة ابنته أثّر ذلك في الفساد في الدين والدنيا ؛
وأنّه إن أجاب إليه أعقب ذلك صلاحا في الأمرين فأجابه إلى ملتمسه لما ذكرناه .
والوجه الثاني : أنّ مناكحة الضالّ كجحد الإمامة وادّعائها لمن لا يستحقّها حرام ، إلّا أن يخاف الإنسان على دينه ودمه فيجوز له ذلك ، كما يجوز له إظهار كلمة الكفر المضادّة لكلمة الإيمان ، وكما يحلّ له أكل الميتة والدم ولحم الخنزير عند الضرورات ، وإن كان ذلك محرّما مع الاختيار .
وأمير المؤمنين عليه السّلام كان مضطرّا إلى مناكحة الرجل ، لأنّه يهدّده ويواعده ؛
فلم يأمنه أمير المؤمنين عليه السّلام على نفسه وشيعته ، فأجابه إلى ذلك ضرورة كما قلنا : إنّ الضرورة توجب إظهار كلمة الكفر ؛
قال اللّه تعالى :
إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ
« 1 » ، وليس ذلك بأعجب من قوم لوط عليه السّلام ، كما حكى اللّه تعالى عنه بقوله :
هؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ
« 2 » ؛
فدعاهم إلى العقد عليهنّ وهم كفّار ضلّال وقد أذن اللّه تعالى في إهلاكهم .
وقد زوّج رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم ابنتيه قبل البعثة كافرين كانا يعبدان الأصنام :
أحدهما عتبة بن أبي لهب ، والآخر أبو العاص بن الربيع ، فلمّا بعث صلى اللّه عليه وآله وسلم فرّق بينهما وبين ابنتيه ، فمات عتبة على الكفر ، وأسلم أبو العاص بعد إبانة الإسلام فردّها عليه بالنكاح الأوّل ، ولم يكن صلى اللّه عليه وآله وسلم في حال من الأحوال مواليا لأهل الكفر ؛
وقد زوّج من تبرّأ من دينه من بني اميّة وهو يعاديه في اللّه عزّ وجلّ ؛
وهاتان هما اللتان تزوّجهما عثمان بن عفّان بعد هلاك عتبة وموت أبي العاص ؛
وإنّما زوّجه النبيّ صلى اللّه عليه وآله وسلم على ظاهر الإسلام ثمّ إنّه تغيّر بعد ذلك ، ولم يكن على النبيّ صلى اللّه عليه وآله وسلم تبعة فيما يحدث في العاقبة ، هذا على قول بعض أصحابنا ؛
وفريق منهم على أنّه تزوّج على الظاهر وكان باطنه مستورا عنه ، وليس بمنكر أن يستر اللّه تعالى عن نبيّه نفاق كثير من المنافقين ، وقد قال اللّه تعالى :
هامش
( 1 ) النحل : 106 .
( 2 ) هود : 78 .