فبيناهم كذلك إذ أقبل إليه شيخ من مهاجرة العرب عليه سمل قد تهلّل « 1 » وأخلق ، وهو لا يكاد يتمالك كبرا وضعفا ، فأقبل عليه رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم يستحثّه الخبر « 2 » ، فقال الشيخ :
يا نبيّ اللّه ! أنا جائع الكبد فأطعمني ، وعاري الجسد فاكسني ، وفقير فارشني « 3 » .
فقال صلى اللّه عليه وآله وسلم : ما أجد لك شيئا ، ولكنّ الدالّ على الخير كفاعله .
انطلق إلى منزل من يحبّ اللّه ورسوله ، ويحبّه اللّه ورسوله ، يؤثر اللّه على نفسه ، انطلق إلى حجرة فاطمة ؛
وكان بيتها ملاصق بيت رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم الّذي ينفرد به لنفسه من أزواجه .
وقال : يا بلال ، قم فقف به على منزل فاطمة .
فانطلق الأعرابي مع بلال ، فلمّا وقف على باب فاطمة عليها السّلام نادى بأعلى صوته :
السلام عليكم يا أهل بيت النبوّة ، ومختلف الملائكة ، ومهبط جبرئيل الروح الأمين بالتنزيل ، من عند ربّ العالمين .
فقالت فاطمة : وعليك السلام ، فمن أنت يا هذا ؟ !
قال : شيخ من العرب ، أقبلت على أبيك سيّد البشر مهاجرا من شقّة ، وأنا يا بنت محمّد عاري الجسد ، جائع الكبد ، فواسيني يرحمك اللّه .
وكان لفاطمة وعليّ في تلك الحال ورسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم ثلاثا ما طعموا فيها طعاما ، وقد علم رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم ذلك من شأنهما .
فعمدت فاطمة إلى جلد كبش مدبوغ بالقرظ « 4 » كان ينام عليه الحسن والحسين .
هامش
( 1 ) السمل - بالتحريك - : الثوب الخلق ، قوله : قد تهلّل أي الرجل من قولهم تهلّل وجهه إذا استنار وظهر فيه آثار السرور ، أو الثوب كناية عن انخراقه ؛
( 2 ) يستحثّه الخبر أي يسأله الخبر ويحثّه ويرغّبه على ذكر أحواله ؛ وفي م : « يستجليه » أي يستكشفه .
( 3 ) أرشني ، قال الجزري : يقع الريّاش على الخصب والمعاش والمال المستفاد ، ومنه حديث عائشة : ويريش مملقها أي يكسوه ويعينه ، وأصله من الريش كأنّ الفقير المملق لا نهوض به كالمقصوص الجناح ، يقال : راشه يريشه إذا أحسن إليه . منه ( ره ) .
( 4 ) القرظ : ورق السلم يدبغ به .