وقد ذكر بعضهم أنّه لم ترضعه مرضعة إلّا أسلمت ؛ قال : ومرضعاته أربع : أمّه وحليمة السعدية وثويبة وأمّ أيمن انتهى .
فإن قلت : فما تصنع بالأحاديث الدالّة على كفرها وأنّها في النار ؛ وهي حديث أنّه صلى اللّه عليه وسلم قال : ( ليت شعري ما فعل أبواي ؟ ) فنزلت :
وَلا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ
[ 119 / البقرة : 2 ] .
وحديث : أنّه استغفر لأمّه فضرب جبرئيل في صدره وقال : لا تستغفر لمن مات مشركا !
وحديث : أنّه نزل فيها :
ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ
[ 113 / التوبة : 9 ] .
وحديث : أنّه قال لابني مليكة : ( أمّكما في النار ) فشقّ عليهما فدعاهما فقال : ( إنّ أمّي مع أمّكما ؟ ) .
قلت : الجواب : أنّ غالب ما يروى من ذلك ضعيف ؛ ولم يصحّ في أمّ النبيّ صلى اللّه عليه وسلم سوى حديث : إنّه استأذن في الاستغفار لها فلم يؤذن له .
ولم يصحّ أيضا في أبيه إلّا حديث مسلم خاصّة وسيأتي الجواب عنهما .
وأمّا الأحاديث التي ذكرت فحديث : « ليت شعري ما فعل أبواي » فنزلت الآية . لم يخرّج في شيء من كتب [ الحديث ] المعتمدة ؛ وإنّما ذكر في بعض التفاسير بسند منقطع لا يحتجّ به ولا يعوّل عليه ؛ ولو جئنا نحتجّ بالأحاديث الواهية ؛ لعارضناك بحديث واه أخرجه ابن الجوزي من حديث عليّ مرفوعا : ( هبط جبريل عليّ فقال : إنّ اللّه يقرئك السلام ويقول : إنّي حرّمت النار على صلب أنزلك وبطن حملك وحجر كفّلك ) ويكون من باب معارضة الواهي بالواهي إلّا أنّا لا نرى ذلك ولا نحتجّ به .
ثمّ إنّ هذا السبب مردود بوجوه أخرى من جهة الأصول والبلاغة وأسرار البيان ؛ وذلك إنّ الآيات من قبل هذه الآية ومن بعدها كلّها في اليهود من قوله تعالى :
يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ
إلى قوله :
وَإِذِ ابْتَلى