قيل : إنّ آزر لم يكن والد إبراهيم بل كان عمّه ؛ واحتجّوا عليه بوجوه :
منها أنّ آباء الأنبياء ما كانوا كفّارا ؛ ويدلّ عليه وجوه : منها قوله تعالى [ في الآية : ( 219 ) من سورة الشعرا ؛ ]
الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ ؛ وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ
قيل : معناه :
انّه كان ينقل نوره من ساجد إلى ساجد ؛ وبهذا التقدير فالآية دالّة على أنّ جميع آباء محمّد صلى اللّه عليه وآله وسلم كانوا مسلمين [ للّه تعالى ] وحينئذ يحب القطع بأنّ والد إبراهيم ما كان من الكافرين إنّما ذاك عمّه ؛ أقصى ما في الباب أن يحمل قوله تعالى :
وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ
على وجوه أخرى وإذا وردت الروايات بالكلّ ولا منافاة بينها وجب حمل الآية على الكلّ ؛ ومتى صحّ ذلك ؛ ثبت أنّ والد إبراهيم ما كان من عبدة الأوثان .
ثمّ قال [ فخر الدين الرازي ] :
وممّا يدلّ على أنّ آباء محمّد صلى اللّه عليه وآله وسلم ما كانوا مشركين ؛ قوله عليه السلام : « لم أزل أنقل من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات » و [ قد ] قال تعالى [ في الآية : ( 28 ) من سورة التوبة ] :
إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ
فوجب أن لا يكون أحد من أجداده مشركا .
[ قال السيوطيّ : ] هذا كلام الإمام فخر الدين الرازي بحروفه ؛ - وناهيك به إمامة وجلالة ؛ فإنّه إمام أهل السنّة في زمانه والقائم بالردّ على فرق المبتدعة في وقته والناصر لمذهب الأشاعرة في عصره - وهو العالم المبعوث على رأس المائة السادسة ليجدّد على هذه الأمّة أمر دينها ! !
[ ثمّ قال السيوطي : ] وعندي في نصرة هذا المسلك وما ذهب إليه الإمام فخر الدين أمور :
أحدها دليل استنبطه مركّب من مقدّمتين :
الأولى : إنّ الأحاديث الصحيحة دلّت على أنّ كلّ أصل من أصول النبيّ صلى اللّه عليه وآله وسلم من آدم إلى أبيه عبد اللّه فهو من خير أهل قرنه وأفضلهم .
والثانية : إنّ الأحاديث والآثار دلّت على أنّه لم تخل الأرض - من عهد نوح أو آدم ؟ إلى بعثة النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ثمّ إلى أن تقوم الساعة - من ناس على الفطرة يعبدون اللّه ويوحّدونه ويصلّون له ؛ وبهم تحفظ الأرض ؛ ولولاهم لهلكت الأرض ومن عليها .