كتبت على لفظ الإخفاء بحذف النون كما كتب ممّا وممّن ونحوها فيكون المعنى إن شكر وإن كفر إنّ ما فعل فإنّما هو عن هدايتنا إيّاه بذلك « 1 » . والثانية منسوقة على الأولى .
وإذا كانت بمعنى الوجه الأوّل فلا بدّ من أن يؤتى بالثانية بعدها لأنّ التخيّر أو التخيير يقع بين الشيئين وليس في ذلك شك البتّة .
وروي عن قتادة أنّه قال : إمّا شاكرا نعم اللّه تعالى وإمّا كفورا لها .
وروي عن بعض العلماء أنّ معناه : فجعلناه سميعا بصيرا وجعلناه إمّا شاكرا وإمّا كفورا « 2 » .
فإن قيل : كيف قال :
سَلاسِلَ
و
قَوارِيرَا
وعامة النحويين على أنّ فعالل وفعاليل وفواعيل غير مصروفة ولا منوّنة ، والقرآن نزل باللّغة العالية ؟
قلنا : أمّا صرف « سلاسل وقوارير » في الموضعين فبالاتّباع لمصاحف أهل الحجاز والكوفة لأنّ الألف ثابتة فيها في هذه الكلمات الثلاث .
على أنّه قد روي / 91 / عن أيّوب بن المتوكّل أنّه قال : الألف فيها ثابتة في مصاحف أهل المدينة وأهل مكّة وعتق مصاحف البصرة .
وقال أبو عبيد : رأيتها في مصحف عثمان بن عفّان :
قَوارِيرَا
بألف مثبتة والثانية كانت مثبتة فحكّت أثرها ورأيت أثرها بيّنا هناك .
هامش
( 1 ) ومعنى هداية اللّه الإنسان إلى الشكر والخير : هو تعريفه تعالى إيّاه الشكر والخير واثارهما الطيّبة وترغيبه فيهما كي يختارهما ولا يعرض عنهما .
ومعنى هدايته إلى الكفر : بيانه وتعريفه له هويّة الكفر وشين اثاره وقباحة فاعله ومن يؤثره على الإيمان والانقياد للّه تعالى ليهلك من هلك عن بيّنة ويحيى من حيّ عن بيّنة .
( 2 ) من محكمات الشريعة انّ الإنسان مجزي بشكره لنعم اللّه بالتنعيم والتقريب ، وبكفره بالتعذيب والتبعيد عن ساحة العظمة والكرامة ، وعلى هذا فلا يمكن أن يكون الشكر والكفر مجعولان لأنّ الشيء المجعول من حيث هو مجعول لا يعقل أن يكون من موجبات التنعيم أو التعذيب ، كما أنّه لا يمكن أن يكون نفس السمع والبصر من موجبات الثواب والعقاب أو المدح والذمّ عند اللّه تعالى ، نعم الاستفادة الحسنة من السمع والبصر من وسائل القرب إلى اللّه وموجبات ثوابه ، كما أنّ استفادة الشرّ والسيّئة من السمع والبصر من موجبات العقاب والبعد عن اللّه تعالى .