بكرمه وأسبغ عليهم فنون نعمه ، وقد قيل : « إنّ غاية الكرم هي العفو بعد القدرة » .
وذكر في الحديث أنّ النبي عليه السّلام كان يعظ النّاس ذات يوم ويذكّرهم القيامة وأهوالها والمحاسبة وأثقالها ، فقام أعرابي وقال : من يلي ذلك يا رسول اللّه ؟
فقال عليه السّلام مجيبا له : اللّه عزّ وجلّ . فقال الأعرابي : اللّه أكبر ، إنّ الكريم إذا قدر عفا .
فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم : خذوها من غير فقيه .
ثمّ إنّ يوسف الصديق صلوات اللّه عليه لم يكتف بالعفو من نفسه دون أن يشفع لهم إلى مولاه جلّ جلاله فقال :
يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ
[ 92 / يوسف : 12 ] وكذلك قال لأبيه وخالته وإخوته :
وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي
[ 100 / يوسف : 12 ] .
فذكر السجن وكان الّذي استقبله من حديث الجبّ وما قبله أصعب من حديث السجن فلم يذكرها ، لأنّه كان قد قال :
لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ
فلو ذكر ذلك لكان فيه طرف من التثريب ، وقد قيل : « ذكر الخفاء جفاء » فانظر إلى كرم يوسف الصدّيق .
وكذلك المرتضى رضوان اللّه عليه لمّا قدر على طلحة وعائشة / 443 / كيف عفى عنهم « 1 » وكذلك أوصى إلى ابنه الحسن في شأن قاتله « 2 » .
ومن ذلك قوله رضى اللّه عنه فيما يؤثر عنه : « ما بقي لي من النعيم إلّا الإفضال على الإخوان » .
وكيف لا يكون كذلك ، وإنّه كان من عنصر الرسول عليه السّلام وأطهر الأصول ،
هامش
( 1 ) أمّا العفو عن طلحة والزبير ، مع إصرارهما على الإثم والعدوان بقوّة وشوكة ، فلا يصحّ ، وكيف يمكن لأمير المؤمنين عليه السّلام أن يعفو عنهما وهما سنّا البغي والخروج على إمام عادل بايعاه وبايعه المهاجرون والأنصار بالطوع والرغبة ، والرجلان لن يندما على ما فعلا ولن يتوبا حتّى حين أحسّا بالهلاك ، مع أنّ فرعون حين أحسّ بالهلاك ، أظهر الإيمان وقال :آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ[ 90 / يونس : 10 ] .
( 2 ) وصيّته عليه السّلام بالإرفاق بقاتله من باب قطع المعذرة كإمهال اللّه تعالى للمتمرّدين .