مِنْ رَبِّنا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً
وذلك لأنّا نعلم جلال اللّه وعظمته ما لا تعلمون فنخافه ولا نسكن إلى ما تقولون ، فنخافه ونرجوه ونتضرّع إليه وندعوه ، فهنالك ابتلي السرائر ويكشف الضمائر .
وإنّما قال :
يَوْماً عَبُوساً
لأنّ من يشاهده كلح وجهه لشدّته وصعوبته والصدقة جنّة من البلاء .
فَوَقاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذلِكَ الْيَوْمِ
أي فصانهم اللّه بما أضمروا وأخلصوا ولم يعجبوا بفعلهم وصبروا ،
وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً
لأنّهم لقوا السائلين بشرا وحبورا
وَجَزاهُمْ بِما صَبَرُوا
على الجوع والمرارة وآثروا السائلين على أنفسهم
جَنَّةً وَحَرِيراً مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ
[ أي ] على السرر المحجّلة
لا يَرَوْنَ فِيها شَمْساً
لأنّ الصدقة ظلّهم
وَلا زَمْهَرِيراً
لأنّ الوفاء بالطاعة يحلّهم ، جزاء لإيثارهم السائل على أنفسهم ،
وَدانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها
[ أي ] ظلال الشجرة قريبة عليهم
وَذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلًا
فابتدأ اللّه / 125 / سبحانه بذكر الكأس والشرب جريا على عاداتهم في التمتّع والتلذّذ ، من العجم والعرب .
ثمّ ذكر العين لأنّها كانت عزيزة فيهم لكثرة القلب والآبار ، وقلّة وجود العيون والأنهار ، فإذا ذكر الكأس والشراب ، يذكر بعد ذكرها المجلس والمسرّة فقال :
وَجَزاهُمْ بِما صَبَرُوا
.
ثمّ ذكر اللباس والثياب فقال بعد ذكر الجنّة :
وَحَرِيراً
لأنّهم كانوا أرباب الأصواف والأشعار والأوبار .
ثمّ ذكر الاتّكاء وهو من أفعال ملوكهم فقال :
مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ
لأنّهم كانوا أرباب الأسفار والأهجاع ، وذكر الأرائك لأنّ الحجلة لم تكن من عادتهم وقد كانوا يرونها لملوكهم إذا وفدوا عليهم .
ثمّ قال :
لا يَرَوْنَ فِيها شَمْساً
لأنّهم كانوا أرباب الفيافي والصحاري ، لا أرباب القصور والمدن .
ثمّ قال :
وَ [ لا ] زَمْهَرِيراً
على المقابلة والمجازاة وإن كانوا بين الحرارة والسموم لأنّهم كانوا يفدون على الملوك في الديار الباردة من أرض العجم والروم