ومظاهرها معلنين بالفسق والفجور في قصورهم ونواديهم وأينما حلوا وارتحلوا ، وقد غمر هذا التيار الذي طغى على قصور الخلفاء والحكام والولاة أكثر المسلمين فمارسوا ملذات العيش ومغريات الدنيا وجميع المنكرات وقديما قيل :
الناس على دين ملوكهم .
لقد اختار حكام الأمويين لبناء دولتهم أساليب العنف والظلم والاضطهاد وقتل الأبرياء والصلحاء وتبذير الأموال في سبيل عروشهم وشهواتهم ، ولحق العلويين وشيعتهم النصيب الأكبر من تلك السياسة الخرقاء لا لشيء إلا لأنهم يتمتعون بكل ما يشدهم إلى الناس ويؤهلهم لخلافة الرسول وقد استعرض الإمام الباقر ( ع ) في حديث له مع بعض أصحابه الأوضاع في ذلك العصر كما جاء في شرح النهج وصور لهم أولئك الحكام وقسوتهم على الشيعة واسرافهم في إراقة الدماء وشراءهم الذمم بالأموال وأطايب الطعام للدس والكذب في حديث الرسول ، واستعرض في حديثه الدور الذي قام به الحجاج بن يوسف مع الشيعة حتى شردهم في البلاد وأذاقهم جميع أنواع البلاء وصنوف العذاب وبلغ بهم الحال ان الرجل كان يتمنى ان يقال له زنديق ولا يقال له مؤمن شيعي .
في هذا الجو المشحون بالظلم والفساد وجد الإمام الباقر ورحل والده عن الدنيا وله من العمر أربعون عاما وبقي بعده ثمانية عشر عاما كما ذكرنا كان يتلوى خلالها على شيعة آبائه وعلى الضعفاء والمساكين وعلى مصير الإسلام إن استمر أولئك الحكام في سيرتهم وطغيانهم وقد علمته الأحداث الماضية مع آبائه وخذلان الناس لهم في ساعات المحنة ان ينصرف عن السياسة وشؤون السياسيين ، فاتجه إلى خدمة الإسلام عن طريق الدفاع عن أصوله ومبادئه ونشر تعاليمه وأحكامه ، ومناظرة الفرق التي انحرفت في تفكيرها واتجاهاتها ، بعد ان انتشر الإسلام يمينا وشمالا وخضعت لسلطانه أمم وشعوب ذات ماض يزخر بالحضارة والعمران ، وقد حدث انقلاب في التفكير وجميع أسباب الحياة ، وبرزت بين ذلك ألوان من النزعات والاتجاهات تجر من ورائها الالحاد
سيرة الأئمة الاثني عشر ( ع ) — صفحة 188
مساهمون: هاشم معروف الحسني
ص١٨٨