حتى إذا وجدوا مكانا يمكن للخيل أن تجتازه حركوها وعبروا إلى الجهة الثانية ، فأقبل علي ورابط في ذلك المكان حتى لا يقتحمه أحد غيرهم ، وأقبل عمرو بن ود يدعو المسلمين إلى البراز ، وكأنما كلماته كانت نداء إلى الموت فلم يجبه أحد ، ولما سمعه علي ينادي ويتحدى المسلمين ترك مكانه وأقبل مسرعا نحو النبي وهو يقول : أنا له يا رسول اللّه ، فقال له النبي ( ص ) معرضا عنه : أنه عمر يا علي ، وعاد الرجل يهتف بالمسلمين وهم سكوت لا يجيبون ، فتقدم علي يلتمس الاذن من النبي بمبارزته ، فأمره بالجلوس فأطاع وبوده لو يجد سبيلا لانتزاع الاذن من النبي ، ومضى عمرو بن ود يكرر النداء والتحدي للمسلمين ، ويقول : أين جنتكم التي تزعمون أن من قتل منكم دخلها ، أفلا يحب أحد منكم أن يذهب إليها .
هذا والنبي ينظر في وجوه المسلمين ويحثهم على مبارزته وهم يرتعدون من الخوف ، وعاد ابن ود إلى هتافه وجعل ينشد كما في رواية الحلبي في سيرته والمفيد في ارشاده :
ولقد بححت من النداء * بجمعهم هل من مبارز
أني كذلك لم أزل * متسرعا نحو الهزاهز
أن الشجاعة في الفتى * والجود من خير الغرائز
وأبى النبي أن يأذن لعلي وتمنى على المسلمين أن يبارزه أحد منهم وقال :
من يبرز له وأنا الضامن على اللّه له الجنة فلم يرتفع لأحد منهم صوت ، فأذن عند ذلك لعلي ( ع ) وأعطاه سيفه وألبسه درعه وعمامته ورفع كلتا يديه وقال :
اللهم أنك اخذت عبيدة يوم بدر وحمزة يوم أحد وهذا علي أخي وابن عمي فلا تدعني فردا وأنت خير الوارثين ، فبرز إليه علي ( ع ) وهو يقول :
لا تعجلن فقد أتاك * مجيب صوتك غير عاجز
ذو نية وبصيرة وال * صدق منجي كل فائز
إني لأرجو أن أقيم * عليك نائحة الجنائز
من ضربة نجلاء يبقى * صيتها بعد الهزاهز