وأكرمنا به فنحن صفوة اللّه على خلقه وخيرته من عباده وخلفاؤه ، فالسعيد من اتّبعنا والشقيّ من عادانا وخالفنا فسمعه مسلمة أخو هشام فأخبر هشام .
فلمّا انصرف إلى دمشق أرسل إلى عالم المدينة باشخاص أبي وإشخاصي ، فلمّا وردنا دمشق حجبنا ثلاثا ثمّ أذن لنا فدخلنا وهو على سرير الملك وجنده وخواصّه وقوف على أرجلهم سماطان متسلحان وقد نصب الغرض حذاه وأشياخ قومه يرمون فقال : يا محمّد ارم مع أشياخ قومك .
فقال أبي : قد كبرت عن الرمي فهل رأيت أن تعفيني ، فقال : لا أعفيك ثمّ أومى إلى شيخ من بني اميّة اعطه قوسك فأعطاه وأخذ منه سهما ورمى وسط الغرض فنصبه فيه ثمّ رمى فيه الثانية فشقّ فواق سهمه إلى نصله ثمّ تابع الرمي حتّى شقّ تسعة أسهم بعضا في جوف بعض وهشام يضطرب في مجلسه فقال : أجدت يا أبا جعفر وأنت أرمى العرب والعجم ثمّ أدركته ندامة على ما قال ، فهمّ بأبي وأطرق إلى الأرض يتروّى وأنا وأبي واقف حذاه .
فلمّا طال وقوفنا غضب أبي وكان إذا غضب نظر إلى السماء نظر غضبان يرى الناظر الغضب في وجهه .
فلمّا نظر هشام إلى ذلك من أبي قال : إليّ يا محمّد فصعد أبي السرير وأنا أتبعه فقام إليه واعتنقه وأقعده عن يمينه ثمّ اعتنقني وأقعدني عن يمين أبي ثمّ قال : يا محمّد لا تزال العرب والعجم تسودها قريش ما دام فيهم مثلك للّه درّك من علّمك هذا الرمي وفي كم تعلّمته ؟
فقال أبي : قد علمت أنّ أهل المدينة يتعاطونه فتعاطيته أيّام حداثتي ثمّ تركته فلمّا أراد منّي أمير المؤمنين ذلك عدّت فيه فقال له : ما رأيت مثل هذا الرمي قط منذ عقلت وما ظننت أنّ أحدا في الأرض أحدا [ يرمي ] « 1 » مثل هذا الرمي ، أيرمي جعفر مثل رميك ؟
فقال : إنّا نحن نتوارث الكمال والتمام اللذين أنزلهما اللّه على نبيّه في قوله :
الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي
والأرض لا تخلو ممّن يكمل هذه الأمور التي يقصر غيرنا عنها ، فانقلبت عين هشام الحولاء واحمرّ وجهه وكان ذلك علامة غضبه ثمّ
هامش
( 1 ) - زيادة من المصدر .