ومعلوم أن إبراهيم عليه السلام هاجر منها إلى حاران أو حران ، ومنها إلى فلسطين ، فاتخذها قاعدة لدعوته ، وكانت له جولات في أرجاء هذه البلاد وغيرها « 1 » وقدم مرة إلى مصر ، وقد حاول فرعون مصر كيدا وسوءا بزوجته سارة ولكن اللّه ردّ كيده في نحره ، وعرف فرعون ما لسارة من الصلة القوية باللّه ، حتى أخدمها ابنته « 2 » هاجر ؛ اعترافا بفضلها ، وزوّجتها سارة إبراهيم « 3 » .
ورجع إبراهيم إلى فلسطين ، ورزقه اللّه من هاجر إسماعيل ، وغارت سارة حتى ألجأت إبراهيم إلى نفي هاجر مع ولدها الصغير - إسماعيل - فقدم بهما إلى الحجاز ، وأسكنهما بواد غير ذي زرع عند بيت اللّه المحرم الذي لم يكن إذ ذاك إلا مرتفعا من الأرض كالرابية ، تأتيه السيول فتأخذ عن يمينه وشماله ، فوضعهما عند دوحة فوق زمزم في أعلى المسجد ، وليس بمكة يومئذ أحد ، وليس بها ماء . فوضع عندهما جرابا فيه تمر ، وسقاء فيه ماء ، ورجع إلى فلسطين ، ولم تمض أيام حتى نفد الزاد والماء ، وهناك تفجرت بئر زمزم بفضل اللّه ، فصارت قوتا لهما وبلاغا إلى حين . والقصة معروفة بطولها « 4 » .
وجاءت قبيلة يمانية - وهي جرهم الثانية - فقطنت مكة بإذن من أم إسماعيل يقال :
إنهم كانوا قبل ذلك في الأودية التي بأطراف مكة . وقد صرحت رواية البخاري أنهم نزلوا مكة بعد إسماعيل ، وقبل أن يشب ، وأنهم كانوا يمرون بهذا الوادي قبل ذلك « 4 » .
وقد كان إبراهيم يرحل إلى مكة بين آونة وأخرى ليطالع تركته ، ولا يعلم كم كانت هذه الرحلات ، إلا أن المصادر التاريخية حفظت أربعة منها .
فقد ذكر اللّه تعالى في القرآن أنه أرى إبراهيم في المنام أنه يذبح إسماعيل ، فقام بامتثال هذ الأمر
فَلَمَّا أَسْلَما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ . وَنادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ . قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا ، إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ . إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ . وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ
[ الصافات :
103 - 107 ] .
وقد ذكر في سفر التكوين أن إسماعيل كان أكبر من إسحاق بثلاث عشرة سنة ،
هامش
( 1 ) نفس المصدر 1 / 108 .
( 2 ) المعروف أن هاجر كانت أمة مملوكة ، ولكن حقق الكاتب الكبير العلامة القاضي محمد سليمان المنصور فوري أنها كانت حرة ، وكانت ابنة فرعون . انظر رحمة للعالمين 2 / 36 - 37 .
( 3 ) نفس المصدر 2 / 34 وانظر في تفصيل القصة : صحيح البخاري 1 / 474 .
( 4 ) انظر صحيح البخاري ، كتاب الأنبياء 1 / 474 - 475 .