حتى هرب الكثيرون منهم فزعين تطاردهم الشرطة والعيون قد شاهدوا من الارهاب والأذى ما لا نظير له في فظاعته ومرارته ، وأما ما لاقاه الإمام موسى ( ع ) من هذا الطاغية فقد عقدنا له فصلا خاصا تحدثنا فيه عما جرى عليه من التعذيب والارهاق .
إلى هنا ينتهي بنا الحديث عن دور هارون وقد وقفنا بما ذكرناه على جانب كبير من خلاعته ومجونه ، واستهتاره بالقيم الاسلامية ، فقد كان لا يبارح العود والشراب ومنادمة المغنين ، وقد عاش عيشة طرب ولهو غارقا في اللذة والعبث والمجون .
وقد أجمع فقهاء المسلمين على أن من يتولى منصب الخلافة الاسلامية لا بد أن تتوفر فيه جميع النزعات الخيرة من العلم والتقوى والحريجة في الدين والاحتياط الشديد بأموال المسلمين ، وان يكون بلاطه قاعدة اسلامية ، ومركزا للحق والعدل ، ومصدرا للامر بالمعروف والنهي عن المنكر في جميع انحاء البلاد ، وان تعمل الهيئة الحاكمة بجد ونشاط على صالح المجتمع ، وتطوير البلاد في مجالاتها الثقافية ، والاقتصادية فتزيل جميع عوامل التأخر والانحطاط وتنشر الأمن والدعة والاستقرار ، وتراقب الحياة الاقتصادية فلا تدع ظلا للبؤس والحرمان . . . هذا واجب السلطة التي تضفي على نفسها النيابة عن النبي ( ص ) وتدعي انها تمثل الواقع الاسلامي ، والديني ، ولكنا مع الأسف الشديد لم نر في ظل أكثر الحكومات الأموية والعباسية أي جانب من الحكم الاسلامي المشرق ، ولم تطبق على واقع الحياة الأهداف العريضة التي ينشدها الاسلام . . . فلم نر إلا الظلم الفاحش ، والاستهانة البالغة بحق الأمة ، والاستبداد بثرواتها ، وبذلها بسخاء على ما حرم اللّه ، ومطاردة القوى الواعية التي تأمر بالعدل الاجتماعي والعدل السياسي ، فقد لاقت تلك القوى الخيرة التي يمثلها العلويون جميع صنوف الارهاب والتنكيل والآلام . . .
حياة الإمام موسى بن جعفر ( ع ) — صفحة 105
مساهمون: الشيخ باقر شريف القرشي
ص١٠٥