ولم تقتصر محنة الإمام وبلواه الخالدة على ما لاقاه من عظيم البلاء وشدة المحنة في صلحه مع معاوية واجتماعه به ، فقد تجاوز بلاؤه إلى ما هو أعظم من ذلك وأشد أثرا في نفسه وهو كلام المنددين بصلحه من أعدائه وأصحابه فقد جابهوه بكلام أشد عليه من وقع الحسام المهند ، فقد رأى منهم غلظة في القول وقسوة في الحديث وجفاء أي جفاء ، فاستاء ( ع ) من شيعته أكثر مما استاء من أعدائه لأنهم على علم بالظروف السود ، والعوامل المرة التي ألجأته إلى الصلح والهدنة ، وفيما يلي كلام المنددين في ذلك مع جواب الإمام ( ع ) لهم .
1 - حجر بن عدي :
وأقبل بطل العقيدة ومثال الإيمان حجر بن عدي إلى الامام وقد مشت الرعدة بأوصاله ، واستولى عليه الحزن قائلا :
« أما واللّه ، لوددت أنك مت في ذلك اليوم ومتنا معك ولم نر هذا اليوم ، فإنا رجعنا راغمين بما كرهنا ، ورجعوا مسرورين بما أحبوا » .
ولا أدري كيف فاه حجر بهذا الكلام القاسي وهو أعلم بمركز الإمام وبواقعه من غيره ، وأدرى بالظروف العصيبة والمصاعب الشديدة التي أحاطت به ( ع ) حتى اضطرته إلى الصلح ، ولكنه يعذر لأن لوعة المصاب وذهول النفس تخرج الإنسان عن موازين الاعتدال والاستقامة ، وقام الإمام ( ع ) فأخذ بيد حجر واختلى به في زاوية من زوايا البيت فبيّن له الحكمة التي من أجلها صالح معاوية قائلا :
« يا حجر ، قد سمعت كلامك في مجلس معاوية ، وليس كل انسان يحب ما تحب ، ولا رأيه كرأيك ، وإني لم أفعل إلا إبقاء عليكم ، واللّه