بقي الامام أمير المؤمنين بعد حادثة صفين في أرباض الكوفة وهو محزون النفس مكلوم القلب يتلقى في كل فترة من زمانه ألوانا مريعة من الرزايا والخطوب ، ينظر إلى العدل وهو مضام ، وإلى الخير مضيع ، وإلى البغي قد كثر وإلى الجور قد طغى ، ويرى باطل معاوية قد استحكم ، وأمره قد تم ، وهو لا يتمكن على مناجزته لأن جيشه أصبح متمردا عليه بأمره فلا يطيع ، ويدعوه فلا يستجيب قد خلد إلى الراحة ، وسئم التعب وكره الجهاد في سبيل اللّه .
وتركت هذه الكوارث أسى مريرا في نفسه فكان يتمنى الرحيل عن الدنيا في كل آونة من الزمن ليستريح من مشاكلها وشرورها ، وقد انطلق يدعو اللّه ليعجل انتقاله إليه قائلا : « اللهم عجل للمرادي شقاءه » ويقول مخاطبا لأهل الكوفة :
« أما واللّه لوددت أن اللّه أخرجني من أظهركم ، وقبضني إلى رحمته منكم . . »
لقد قرر « ماكس نورداو » بقاء الأحيل دون الأصلح لأن الأصلح لا يدوم طويلا في دنيا الأباطيل . وقد كان الامام أمير المؤمنين ( ع ) من المع المصلحين في الدنيا فقد اجهد نفسه على إقامة العدل وبسط المساواة في الأرض ، فكيف يبقى في عالم المنافع والأضاليل فقد حاربه النفعيون وقاومه طلاب الجاه والسلطان ، وتنكر له ذلك المجتمع الذي لعبت به الأهواء ، وأفسدته الأطماع فكيف يدوم حكمه في ذلك المجتمع الهزيل ؟ ! !
وزاد في أسى الامام وأحزانه فقده للبقية الصالحة من صحابة الرسول صلى اللّه عليه وآله من الذين عرفوا اتجاهه ودرسوا في مدرسته أمثال عمار ابن ياسر ، وهاشم المرقال وذي الشهادتين وأمثالهم من عيون المؤمنين الذين
حياة الإمام الحسن بن علي ( ع ) — صفحة 503
مساهمون: الشيخ باقر شريف القرشي
ص٥٠٣