[ بالعربيّة ] ما شاء اللّه أن يكتب ، وكان / شيخا كبيرا قد عمي ، فقالت له خديجة : يا ابن عم ، اسمع من ابن أخيك ، فقال له ورقة : يا ابن أخي ما ذا ترى ؟ فأخبره النّبيّ صلى اللّه عليه وسلم خبر ما رأى ، فقال له ورقة : هذا هو النّاموس الأكبر الّذي نزّل اللّه تعالى على موسى « 1 » ، يا ليتني فيها جذعا « 2 » ، ليتني أكون حيّا إذ يخرجك قومك ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « أو مخرجيّ هم ؟ » قال : نعم ، لم يأت رجل قطّ بمثل ما جئت به إلّا عودي ، وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزّرا - أي : معانا - . ثم لم ينشب ورقة - أي : لم يلبث - أن توفّي ، وفتر الوحي « 3 » . ( حتّى حزن النّبيّ صلى اللّه عليه وسلم [ فيما بلغنا ] حزنا شديدا ، غدا منه يتردّى من رؤوس الجبال ، فكلّما أراد أن يلقي نفسه تبدّى له جبريل ، وقال : يا محمّد ، إنّك رسول اللّه حقّا ) « 4 » .
حدائق الأنوار ومطالع الأسرار في سيرة النبي المختار ( المسمى تبصرة الحضرة الأحمدية الشّاهدية بسيرة الحضرة الأحمدية النبوية ) — صفحة 175
مساهمون: محمد بن عمر بن مبارك الحضرمي ( بَحرَق اليمني )
ص١٧٥
هامش
( 1 ) النّاموس : رسول الخير ، والمراد به : جبريل عليه السّلام . وخص موسى لأن شريعته كانت أعم وأوفى من شريعة عيسى عليهما السّلام .
( 2 ) الجذع : الشّاب الحدث القويّ .
( 3 ) أخرجه البخاريّ ، برقم ( 6581 ) . ومسلم برقم ( 160 / 252 ) .
( 4 ) ما بين قوسين زيادة ليست على شرط الصّحيح ، لأنّها من بلاغات الزّهريّ . وقد ذكرها البخاريّ لينبّهنا إلى مخالفتها لما صح عنده من حديث بدء الوحي ، الّذي لم تذكر فيه هذه الزّيادة ، وهي من قبيل المنقطع ، والمنقطع من أنواع الضّعيف . ( فتح الباري ، ج 16 / 12 ) .
قلت : إن ما اشتهر من سيرته صلى اللّه عليه وسلم يردّ ذلك ، فقد حدث له أثناء دعوته النّاس أشدّ وأقسى من هذه الحالة ، ولم يفكّر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بالانتحار ، بأن يلقي نفسه من شاهق جبل . وسنرى فيما يأتي من الكتاب أنّه لمّا عرض عليه عمّه أبو طالب أن يكف عن قريش ، ويبقي عليه وعلى نفسه ، قال قوله المشهور : « واللّه يا عم ، لو وضعوا الشّمس في يميني ، والقمر في يساري ، على أن أترك هذا الأمر حتّى يظهره اللّه أو أهلك دونه ، ما تركته » . وليس أدل على ضعف هذه الزّيادة من أن جبريل عليه السّلام كان يقول له كلّما أشرف على ذروة جبل :
( يا محمّد ، إنّك رسول اللّه حقّا ) ، وأنّه كرّر ذلك مرارا . ولو صح هذا لكانت مرّة واحدة تكفي في تثبيت النّبيّ صلى اللّه عليه وسلم وصرفه عمّا حدّثته به نفسه كما زعموا . وقد ذهب جل العلماء وكتّاب السّير المحدّثون إلى هذا ، بل ذهب بعضهم إلى أن مجرّد سؤال ورقة إنّما هو من خديجة رضي اللّه عنها ؛ لأن النّبيّ صلى اللّه عليه وسلم يعلم أنّه سيكون رسول اللّه ، وأنّه أجل من أن يعرف نبوّته ورسالته من حبر نصرانيّ ، أو ممّن قرأ كتب النّصارى .