تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تسلية المجالس وزينة المجالس ( مقتل الحسين ع ) — صفحة 437

مساهمون:

ص٤٣٧
جسده على طاعته ، وفرغ روحه لمراقبته ، أطلعه سبحانه على جلال عظمته ، وكمال معرفته ، وسقاه من شراب حبّه ، واختصّه بشرف قربه ، فما في فؤاده إلّا إيّاه ، وما في لسانه إلّا ذكراه ، يفني وجوده في شهوده إذا هو ناجاه ، ويصفو أبحر ندّه في سجوده عمّا سواه ، قد استشعر لباس المراقبة ، وحاسب نفسه قبل المحاسبة . يأنس بالظلام إذا الليل سجى ، ويستضيء بأنوار الكشف إذا الغسق دجا ، ويستوحش من الخلق في حال خلوته مع حبيبه ، ويستنشف نفحات الحقّ إذ هو كمال مطلوبه ، رقي لقدم صدقه صفوف الكروبيّين بروحانيّته ، وطار بقوادم عشقه ففات أشباح الصافّين الحافّين بإخلاص محبّته ، جذبته يد المحبّة بزمام العناية إلى حضرة معشوقه ، وأزاحت كدورات الطبيعة عن مسالك طريقه ، حتى إذا آيس من جانب طور قيّوم الملكوت أنوار عظمته ، واستأنس بمناجاة صاحب العزّة والجبروت واطّلع على أسرار إلهيّته ، وقرع بيد إخلاصه شريف بابه ، وأصغى بصماخ
( وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ )
« 1 » إلى لذيذ خطابه ، وأشعر قلبه لباس الخضوع بين يديه ، وأحضر لبّه جلال من وجّه مطايا عزمه إليه ، وشاهد بعين يقينه عزّة هيبة سلطانه ، وقطع العلائق عمّا سوى القيام بشروط الخدمة لكبرياء عظم شأنه . كشف فياض العناية به الحجاب عن جلال كمال عزّته ، ورفع النقاب عن ذلك الجناب فأدرك بكمال عرفانه بهجة حضرته ، أجلسه على بساط المنادمة في غسق الدجا ، وناجاه بلسان المحبّة وقد برح الخفا ، وسقاه بالكأس الرويّة من شراب
( يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ )
« 2 » ، ويثب في مدارج السلوك إلى عين اليقين
هامش
( 1 ) سورة الحاقّة : 12 . ( 2 ) سورة المائدة : 54 .