تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تثبيت دلائل النبوة — صفحة 475

مساهمون:

ص٤٧٥
الحق . فلما قدم النبي صلّى اللّه عليه وسلم المدينة لقيه أبو عامر فقال : يا محمد إلام تدعو ، فقال إلى دين الحنيفية الذي تطلبه بزعمك ، فقال له : ما أنت عليه ؟ فقال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : بلى ، ودعاه فأبى ، وحسد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، وقال له أبو عامر : الكاذب منا أماته اللّه غريبا شريدا طريدا ، يعرض برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، فقال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : نعم فعل اللّه ذلك بالكاذب منا . ثم أقبل أبو عامر على قومه ينهاهم عن اتباع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وعن طاعته ويجتهد ، وأعلام رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وآياته تتزايد وتظهر ويكثر أتباعه من قوم أبي عامر فيزداد غيظا . واتخذ مسجدا يجمع إليه الناس فيحادثهم وينهاهم من اتباع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، ويزعم أنه على الحنيفية ، وأن دينه سيظهر ويصير في جماعة وعز ، فكان يجتمع إليه قوم من المنافقين ، ويجلس إليهم اليهود ويقوون منهم الخلاف على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ثم إنه خرج إلى مكة وبعثهم على غزو النبيّ وحربه ، ويقول : أنا معكم وقومي من الأوس معكم ، فإذا لقيتم محمدا صرنا إليكم . وكان معهم في وقعة أحد ، فلما تنازلوا نادى أبو عامر قومه معاشر الأوس ، أنا أبو عامر فقالوا : لا مرحبا بك يا فاسق ، وسبّوه ولعنوه ، فقال : لقد أصاب قومي بعدي شر . وقد كان خرج إلى مكة من قومه جماعة كثيرة وهم على رأيه في رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، وكانوا نحو خمسين رجلا ، فقاتلوا المسلمين / مع قريش قتالا شديدا ، ثم صار أبو عامر إلى الروم ولقي قيصر ملك الروم بالشام ، فدعاه إلى قتال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم والمسلمين وحرّضه على ذلك ، وهوّن أمرهم عنده بضعفهم وفقرهم وقلة عددهم وكثرة عدوّهم ، وخوّفه العواقب إن هو لم يفعل ذلك بما لا يأمنه من قوة الإسلام . ثم إن أبا عامر مات بالشام طريدا غريبا وحيدا كما دعا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، وهذا أيضا من أعلامه في إجابة دعوته . وقوله :
« أَ وَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ »
دلالة على أن
تثبيت دلائل النبوة — صفحة 475 | القاضي عبد الجبار الهمذاني / عبد الكريم عثمان