وقد كانوا يتعنتون ويتعلقون بالضعيف من الأمور ويسألون ، ألا ترى أن عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح قد كان يكتب لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، فكان إذا انتهى إلى آخر القصة وقد أملى عليه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « وكان اللّه » فيقول ابن أبي سرح :
غفورا رحيما ، أو عليما حكيما ، فيقول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : هكذا نزلت فاكتب ، فقال للناس : إنما يأتي محمد بهذا من تلقاء نفسه ، وحكى مثل هذه الصورة ، فكيف بما فيه الحجة لهم عليه . ولهذا نظائر مما قد سألوا عنه وترددوا فيه ، وليس أحد من أصحابه من أخبر عنه مع كثرتهم شكّ أو تردد أو أخبر عن ضميره بخلاف ما أخبر صلّى اللّه عليه وسلم .
ومن هذا الجنس قوله عز وجل :
« لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ »
« 1 » فأخبر عن المهاجرين المكيين بأنهم هاجروا للّه وابتغاء لمرضاة اللّه وشهد لهم بالصدق ، ثم قال :
« وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ / الْمُفْلِحُونَ »
« 2 » فشهد لهم بالفلاح ، وهم خلق كثير ، أخبر عن طوياتهم وضمائرهم ، وهذا من الغيب لا يعلمه الا اللّه .
ومن هذا الجنس ، إخباره في القرآن عن عائشة وصفوان بن المعطل الذي رميت به ، فأخبر عز وجل ببراءة ساحتها وبغافلتها عما رميت به وأنّ ذلك لم يخطر ببالها ولا همّت به فضلا عن أن تفعله ، فقال عز وجل :
« إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الْغافِلاتِ الْمُؤْمِناتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذابٌ
هامش
( 1 ) الحشر 8
( 2 ) الحشر 9