الكمال بالتضرع إلى اللّه تعالى والعمل الاختياري في التقرب إليه عز وجل .
ومنها : قوله تعالى :
« وَنادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ : رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ . قالَ : يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ ، فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ . إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ . قالَ : رَبِّ ، إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْئَلَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ . وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخاسِرِينَ »
« 1 » .
فإنه لا شك ان نوح عليه السلام ازداد بعد وعظ اللّه عز وجل إياه وتعليمه له ، ازداد كمالا عما كان عليه قبل ذلك ، وإذ تنتج هذه الزيادة الجديدة ، فإنها تسير مع سائر التضحيات في سبيل الدعوة الإلهية ، بما فيها الاستغناء عن الولد ، إذا كان عملا غير صالح ، وعضوا فاسدا في التخطيط الإلهي . ومن هنا نسمعه يقول : « رب أعوذ بك أن أسألك ما ليس بك علم » . .
ومنها قوله تعالى :
« وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ . وَإِذاً لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا . وَلَوْ لا أَنْ ثَبَّتْناكَ ، لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلًا ، إِذاً لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ وَضِعْفَ الْمَماتِ ، ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيراً »
« 2 » .
فان الآية ، وان كانت دالة على أن النبي ( ص ) لم يركن ، إلى الكفار ، ولم يقارب الركون أصلا ، باعتبار جعل ذلك في جواب لولا الامتناعية . . الا انها تدل - بكل وضوح - : ان عدم الركون ناشئ من التثبيت الإلهي ، ذلك التثبيت الذي ازداد به النبي ( ص ) كمالا إلى كماله العظيم . ولولا ذلك لكان الكمال السابق على التثبيت غير مانع من مقاربة الركون . ومن هنا اقتضت مصلحة الدعوة الإلهية ، إفاضة هذا التثبيت عليه صلى اللّه عليه وآله .
إلى غير ذلك من الموارد والآيات في القرآن الكريم .
وبذلك نستطيع - بكل وضوح - ان ننفي نقاط الضعف والذنوب عن الأنبياء ، كما يريد المنحرفون أن يفهموه من القرآن الكريم . فإنه بعيد كل البعد
هامش
( 1 ) هود : 11 / 46 - 47 .
( 2 ) الاسراء : 17 / 73 - 75 .