المقدمة الأولى :
في إيضاح مراتب الجبر والاختيار .
فإن الفرد لا تكون إرادته في كل الأفعال على حد سواء ، بل تختلف على مراتب متعددة ، تضعف في بعضها حتى تنعدم وتوجد في بعضها حتى تتضح . . .
كما يبدو من المراتب الآتية :
المرتبة الأولى :
الجبر الفلسفي ، بمعنى أن الانسان يقوم بأعماله ، كما يصدر النور من الشمس والرائحة من الزهر ، أو كالقلم بيد الكاتب والعصا في يد الضارب . وهو أعلى درجات الجبر وانعدام الإرادة وفقدان الاختيار .
ويقوم هذا الجبر على أحد أساسين :
الأساس الأول :
الأساس المادي . . كالقول بالمادية التاريخية ، الذي يربط التطورات التاريخية ، وجميع تصرفات الأفراد بتطور وسائل الانتاج . فالفاعل المؤثر - في الحقيقة - هي هذه الوسائل ، وليس للانسان أي يد في تغيير ما يقوم به من أعمال .
وهذا واضح من اتجاه الماديين التاريخيين ، إذ لو كان للأفراد اختيار في أفعالهم ، لكانوا هم صانعي التاريخ والمشاركين في تطويره ، ولم يكن تطويره مستندا تماما إلى وسائل الانتاج ، كما قد أكدوا عليه .
والظاهر أن كل المذاهب المادية ، تقول بالجبر الفلسفي هذا ، باعتبار أن القول بالاختيار اعتراف بأمر ميتافيزيقي لا يمكنهم الايمان به . على أنه يتضمن المنافاة للعلل المادية الضرورية التأثير في الانسان . . . تلك العلل التي تقدمها هذه المذاهب .
الأساس الثاني :
الأساس الإلهي ، بمعنى أن اللّه تبارك وتعالى هو الفاعل المؤثر في إيجاد أفعال الانسان ، إيجادا قهريا . وأشهر من يقول بذلك هم الأشاعرة من المسلمين واليهود من أهل الكتاب .