وأما المسيح عيسى بن مريم عليه السلام ، فحسبنا شاهدا على حال أمته ، أن الحواريين وهم طلابه وخاصته واجهوه بهذا الكلام : « يا عيسى بن مريم ، هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء » تشكيك صريح في قدرة اللّه تعالى .
ومن ثم أجابهم :
قالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ . قالُوا : نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْها وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنا وَنَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشَّاهِدِينَ
« 1 » . إذن فهم لم يطمئنوا به بعد ، ولم يعلموا بصدقه . فإذا كان هذا هو مستوى خاصته وطلابه ، فكيف حال سائر أفراد الأمة والمجتمع .
إذن ، فلم يكن يوجد في الناس على طول التاريخ ، ذلك المستوى العظيم من الاخلاص الذي يمكن به بناء العدل المطلق في اليوم الموعود ، وإذا كان هذا الشرط غير متوفر ، فما ذا ترى الأنبياء صانعين ، حين يجدون أممهم على هذا المستوى المنخفض من الاخلاص ؟ .
كيف وقد عرفنا فيما سبق ، أن هذا الشرط غير متوفر إلى حد الآن ، وأن البشرية لا زالت في طريق التربية ، لكي يتوفر في ربوعها في يوم من الأيام .
وأما بالنسبة إلى الشرط الآخر وهو علم الأمة أو البشرية بالأطروحة العادلة الكاملة المأمول تطبيقها في اليوم الموعود . . . فمن الواضح أن تلك الأطروحة لم تكن ناجزة ، ولم يكن البشر على مستوى فهمها على الاطلاق . ويمكن أن يتم بيان ذلك ، باستعراض فترات التاريخ اجمالا أيضا .
أما الأنبياء السابقين على موسى بن عمران عليه السلام ، فلم يكن هدفهم إلا ترسيخ العقيدة الإلهية ، وتوضيحها بالتدريج ، من دون أن يكون لهم تعاليم تشريعية كثيرة . حتى تكللت تلك الجهود بجهود إبراهيم الخليل عليه السلام الذي أوضح عقيدة التوحيد بشكل مبرهن وصحيح . إذن فلم يكن هناك تشريع مهم فضلا عن افتراض وجود الأطروحة العادلة الكاملة التي تتكفل التشريع لكل جوانب المجتمع .
وأما الفترة التي تبدأ بموسى بن عمران عليه السلام وتنتهي ببعثة الرسول
هامش
( 1 ) نفس السورة : 112 - 113 .