وكان المزني أحد أصحاب الإمام الشافعي يمتنع من تكفير أهل الأهواء ، ويقول :
إن المسائل التي يقعوا فيها لطاف تدقّ عن النظر العقلي .
وكان إمام الحرمين يقول : لو قيل لنا فصّلوا لنا ما يقتضي التكفير من العبارات مما لا يقتضيه .
لقلنا : هذا طمع في غير مطمع ؛ فإن هذا بعيد المدرك ، وعر المسلك ، يستمد من تيار بحار التوحيد ، ومن لم يحط علما بنهايات الحقائق لم يتحصل من دلائل التكفير على وثائق .
وكان لسان حال أهل التوحيد من الأكابر يقول :
تركنا البحار الزخرات وراءنا * فمن أين يدري النّاس أين توجّهنا « 1 »
وكان أبو المحاسن الروياني وعلماء بغداد قاطبة يقولون :
لا نكفّر أحدا من أهل المذاهب المختلفة ؛ لأن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال :
« من صلّى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فله ما لنا ، وعليه ما علينا « 2 » » .
وقد سأل الشيخ شهاب الدين الأذرعي : سيدنا ومولانا شيخ الإسلام تقي الدين السبكي رحمه اللّه عن تكفير أهل الأهواء والبدع ؟
فقال : اعلم يا أخي أن كل مؤمن يستعظم الأمر بالتكفير ؛ لأنه أمر هائل عظيم الخطر .
وهو كما قال اللّه :
وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ
.
أو من كفّر إنسانا فكأنه أخبر عنه أن عاقبته في الآخرة العقوبة الدائمة أبد الآبدين ، وأنه في الدنيا مباح الدم والمال ، لا يمكّن من نكاح مسلمة ، ولا يجرّ عليه أحكام أهل الإسلام في حياته وبعد مماته .
هامش
( 1 ) من كلام الشيخ الأكبر قدّس سرّه .
( 2 ) رواه البخاري ( 1 / 153 ) ، والنسائي في الكبرى ( 7 / 76 ) ، والطبراني في الكبير ( 2 / 162 ) ، وابن أبي شيبة في المصنف ( 6 / 428 ) .